قنديلُ الروحِ وحبرُها في وجهِ العتمةبقلم: نور خالد أبو عمر
الكتابةُ ليست مجردَ حبرٍ على ورق، بل هي قنديلٌ أبديّ يتوهّجُ في صدرِ الروحِ حين يثقلها الصمتُ وتكبلها الحيرة.
هي ولادةٌ ثانيةٌ من رحمِ الألم، ومقاومةٌ صامتةٌ ضدّ النسيان، ونافذةٌ صغيرةٌ نطلّ منها على مجرّاتنا الداخلية لنوقن أننا ما زلنا على قيد النبض.
كلُّ حرفٍ هو شعاعٌ يولدُ من العتمة، وكلُّ كلمةٍ هي صرخةٌ تقذفها الروح في وجه الغياب.
مَنْ يحملُ قنديلًا في صدره لا يعنيه ظلامُ العالمين؛ فالنورُ الحقّ لا يُستعارُ من مصابيح الآخرين، بل يتفجّرُ من أعماقِ الروحِ حين تضيقُ بالعتمةِ وتكادُ تخنقها الدروب.
والكتابةُ هي اليدُ الخفيةُ التي تُشعلُ ذلكَ القنديل، تُحوّلُ أنفاسَ الروحِ الحائرة إلى حروفٍ تشعّ ببريقِ الأمل، وتُبدّدُ عتمةَ الداخلِ قبلَ أنْ تُبدّدَ عتمةَ الخارجِ، لتصنعَ من الدجى جسرًا ممتدًا نحو الضياء.
إنّ هذا الفعل الإبداعي ليس حدثًا عابرًا يمحوهُ عصفُ الزمن، بل هو طقسُ ولادةٍ متجددة، حيثُ يتحوّلُ الألمُ فيه إلى نورٍ مرشد، والحنينُ إلى عزاءٍ وسكينة، والأنينُ إلى موسيقى خفيةٍ عذبةٍ تترجمُها الحروف.
إنه صرخةُ وجودٍ مدويةٌ في وجهِ العدم، تضمن لنا أننا لم نُمحَ بعدُ من ذاكرةِ الحياة، وأن لنا أثرًا باقيًا في هذا المدى لا يزول.
بالقلمِ وحده نصوغُ صرخةً لا تُسمعُ إلا في أعماقنا، ونُسطّرُ أنينًا يتردّدُ صداه بينَ الضلوعِ المتعبة.
فالورقةُ البيضاء ليست بياضًا جامدًا، بل هي حضنٌ دافئٌ يضمّنا حين يهجرُنا الجميع، ووطنٌ صغيرٌ نلوذُ بهِ حين يثقلُنا الحنينُ ويُرهقُنا الأنينُ المرّ.
هي ذراعان تُربّتان برفقٍ على أكتافنا حين يثقلُها الحزنُ، وتمنحُنا القدرةَ العجيبة على البوحِ حين يخذلُنا الكلامُ وتتوارى العبارات.
نحنُ الحالمينَ، نركضُ خلفَ أوهامنا الجميلة بلا هوادة، نلاحقُها دومًا ولكنْ بلا جدوى.
كأننا نُطاردُ سرابًا مراوغًا في صحراءَ لا نهايةَ لها، نُسقطُ خطواتِنا المتعبة على الرمالِ فتبتلعُها الرياحُ بلا رحمة، ولا يبقى منها أثرٌ يدلّ علينا.
الحلمُ عندنا ليس وعدًا بالنجاةِ أو الوصول، بل هو عزاءٌ مؤقتٌ نتشبثُ به، يخففُ من وطأةِ الفراغِ القاتل الذي ينهشُ أرواحَنا ويقتاتُ على أيامنا.
الحنينُ ليس ذكرى عابرة، بل هو جرحٌ مفتوحٌ يقطرُ دمًا كلما حاولنا تضميدَهُ أو تناسيه.
هو حنينٌ إلى لحظةٍ لم نعشْها قط، إلى دفءٍ لم نذقْهُ، وإلى حضنٍ لم تكتملْ فصولُه.
والأنينُ هو الصدى المتردد لذلكَ الحنين، يطرقُ أبوابَ القلبِ بلا استئذان، ليُذكّرنا بأننا ما زلنا أحياءً، ننبضُ بالمقاومة رغمَ موتِ أحلامنا الكبرى وتلاشي الوعود.
إنّ كلَّ كلمةٍ تُسطَّرُ هي شعاعٌ جديد يُولد من رحمِ المعاناة، وكلُّ حرفٍ هو نبضٌ حيّ يضيءُ عتمةَ الطريقِ الطويل.
الكتابةُ لم تكن يومًا ترفًا، بل هي ضرورةٌ وجوديةٌ قصوى، محاولةٌ مستميتة لترميمِ كسورِنا الداخلية، ولإعادةِ بناءِ ما تهدّمَ فينا من صروحٍ وعوالم، وصرخةٌ أبدية تقولُ للعتمةِ: إننا ما زلنا هنا، ولن ننطفئ أبدًا.
مَنْ كان القنديلُ في صدره، وكتبَ، لا يخشى غياهب الظلام؛ لأنّ القلمَ يظلّ منارةً سرمدية عابرة للأزمان، تبدّدُ عتمة الأكوان، وتمنحُ الروحَ المتعبة حياةً أخرى مديدة، حين تغيبُ الحياةُ وتفنى الأجساد.
