📁 آخر الأخبار

قَبْلَ الزَّوَاجِ: الإِنْجَابُ عَهْدٌ ثَقِيلٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ

 


قَبْلَ الزَّوَاجِ: الإِنْجَابُ عَهْدٌ ثَقِيلٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ جَلِيلَة 

بقلم: نور خالد أبو عمر
قبل أن تُداعبَ الخيالَ رغبةُ الإنجابِ العاصفة، وتستبدَّ بالنفسِ شهوةُ الامتداد الأبديّ في الأصلاب، وتنجذبَ الروحُ إلى سدِّ الفراغِ المقفِر في أركان البيوت، برؤيةِ غصنٍ غضٍّ ينمو ويتسامى قبل أن يدركَ المرءُ حتميةَ الفناء؛
 
على العاقل أن يقف وقفة وعيٍ حاسمة عند عتبة الضمير، متأمّلًا ومتسائلًا: هل يملك القدرة على صون هذا العهد الغليظ، وهل هو مدركٌ ومستوعبٌ المعنى المؤسسي للزواج باعتباره مؤسسة كونية عظمى تُبنى عليها الحياة، 

وهل تدرب على كافة الجوانب ليُدير تلك المؤسسة، أم أنه يطرق بابًا لا يعرف عمقه ولا يعي تبعاته؛ فالزواج ليس مجرد بيتٍ يُشيَّد، بل هو محرابٌ تُصلى فيه قيم الرحمة، ومنارةٌ تُشعّ نور العدل، ودولةٌ مصغّرة لها دستورها الأخلاقي وقوانينها الإنسانية، ومن يعي هذا البعد يدرك أن الإنجاب ليس امتدادًا في الأصلاب فحسب، بل امتدادٌ في المعنى، ومسؤوليةٌ في التاريخ،

 ورسالةٌ في الكون، فالخِلفة ليست نزوةً عابرةً تمحوها الأيام، ولا صخبًا عارضًا يُملأ به فراغ المكان؛ بل هي عهد راسخ في عمق الكينونة، وعبء ثقيل، وطريق شائك يتطلب حكمة وصبرًا وتوفيقًا، وحسابًا عظيمًا عند الله لا يغادر صغيرة ولا كبيرة في رحلة المصير؛ إذ ليس الطفل جسدًا يُغذّى أو كساءً يُتقى به لفح الحرّ وبرد الشتاء، بل هو قلب يُهذّب،

 وروح تُصقل، ونفس تُربّى لتزهر وتثمر، فالرعاية المادية غريزة فطرية يشترك فيها الطير في أعشاشه، والسبع في براريه، والبهيمة في مراعيها؛ أما الإنسان وحده، بما حُمّل من تكليف سامٍ، فهو مطالب بأن يبني في قلب ولده محرابًا للهدى، ومنارة للقيم، ليخرج إلى الوجود نفسًا سويّة، وروحًا نقية زكيّة، تبني الحجر وتصون البشر، وتنشر السلام حيث ارتحلت أو حلت، ولكم امتلأت الحياة ببرآء أُلقي بهم في سجون الصراخ والوعيد،

 جراء بيوت قوامها القسوة والجمود، وهدم للوجدان بدل البناء والتشييد؛ حيث يرى الطفل أباه يهين أمه ويكسر خاطرها، فيغدو الخوف ليله ونهاره، وتستحيل الكراهية شعارًا ووشاحًا، لينشأ على عقد مريرة تورث المجتمع غلًّا دفينًا وحقدًا مكينًا، وحيث تُحرم البنت من حنان أبيها ودفء حضنه، فتخرج تبحث عن الأمان في دروب خاوية، وتتبع سرابًا عاطفيًا ظنته ماءً يروي ظمأ السنين؛

 لتسقط في شباك الغدر والهلاك، ضحيةً لجهل الراعين بحق ذاك الملاك الطاهر، إن التربية ليست كلمات جوفاء تُقال، ولا وعظًا باردًا يُلقى بلا ميزان؛ بل هي جهاد للنفس أمام النفس أولًا، وموقف صارم ممتد على مر الزمان.

أن تكون سندًا حقيقيًا، وحصنًا منيعًا، وقدوة ترشد بالصمت قبل المقال، ورحمة واسعة تسع الأبناء في كل حال، فاحذروا أن تستهينوا بهذا الزرع، وصونوا الأمانة أمام رب الناس؛ كي لا تزرعوا في جسد المجتمع جرحًا لا يندمل،

 وجيلًا مهزوزًا شقيًّا، وتلقَوا الله بقلوب وجلة واجفة، تشكو نفوسًا بريئة أفسدتموها بالجهل؛ فتكون الخسارة عظمى يوم الحساب، حين يُفصَل بين العباد بالحق والصواب، ويُفتح للكتاب كل باب، وينقلب القرب اغترابًا، ويصبح الأحباب خصومًا بلا رجاء في إياب، فلتعلموا أن الزواج ليس لحظة عابرة،

 بل هو شمسٌ تُنير درب الحياة، وقمرٌ يُوازن ليلها، ونجمٌ يهدي قلوبها؛ فإذا صُنتموه بالرحمة والعدل، صار بيتكم جسرًا للسلام، وإذا أهملتموه صار جرحًا في جسد الزمان، فكونوا أمناء على العهد، أوفياء للرسالة، لتلقوا الله بوجوهٍ مشرقة، وأرواحٍ مطمئنة، وأبناءٍ يشهدون أنكم كنتم رُعاةً للقلوب قبل الأجساد، وبناةً للأرواح قبل البيوت.
تعليقات