عندما يموت الضمير تولد الوحشية البشرية
بقلم :د : عبدالله حسن الحجازى
كيف يفقد الإنسان إنسانيته، ويصبح أخطر من الوحوش عندما يغيب الإيمان
والرحمة؟
ليست أخطر الوحوش تلك التي تعيش في الغابات، بل تلك التي تسكن قلب إنسان مات ضميره. فالأسد يفترس ليبقى حيًا، والذئب يهاجم بدافع الغريزة، أما بعض البشر فيقتلون ويظلمون ويغدرون وهم يملكون كل أسباب الحياة. وحين يغيب الضمير، ويضعف الإيمان، وتسيطر الشهوات والأحقاد، يفقد الإنسان أعظم نعمة وهبها الله له: إنسانيته. عندها لا يعود خطره مقصورًا على فرد أو أسرة، بل يمتد ليهدد أمن المجتمع واستقراره وقيمه.
لقد كرم الله الإنسان بالعقل والرحمة والضمير، وجعله خليفة في الأرض، فقال سبحانه:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
لكن هذا التكريم مرتبط بحسن الاختيار، فإذا انقاد الإنسان لشهواته وأهوائه، وتحكمت فيه الأنانية والطمع والحقد، فقد يهبط إلى منزلة وصفها القرآن بقوله:
﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: 179].
وهنا لا يشبههم القرآن بالحيوان لأن الحيوان مذموم، وإنما لأنهم عطّلوا عقولهم وضمائرهم، بينما الحيوان يسير وفق الفطرة التي خلقه الله عليها.
1- الحيوان يفترس بغريزته... والإنسان قد يقتل بشهوته
حين ننظر إلى عالم الحيوانات، نجد أن المفترسات لا تهاجم إلا لتأكل أو لتحمي نفسها أو صغارها. فالأسد لا يجمع فرائسه للتفاخر، ولا الذئب يخون أفراد قطيعه، ولا النمر يعذب فريسته للتسلية.
أما الإنسان، فقد يقتل من أجل المال، أو ينتقم بدافع الكراهية، أو يخون من أحسن إليه، أو يسرق قوت الفقراء، أو يعتدي على الضعفاء، أو ينشر الفساد في الأرض، رغم أنه يملك العقل الذي يميزه عن سائر المخلوقات.
إن الوحشية الحقيقية ليست في الأنياب والمخالب، بل في قلب فقد الرحمة، وعقل استسلم للشر، وضمير توقف عن محاسبة صاحبه.
2- حين يموت الضمير
الضمير هو الحارس الداخلي الذي يمنع الإنسان من الظلم، فإذا مات الضمير، لم يعد هناك ما يردع النفس عن ارتكاب أبشع الجرائم.
ولهذا قال رسول الله ﷺ:
«إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار.»
فالانحراف لا يبدأ بجريمة كبيرة، وإنما يبدأ بكذبة، أو خيانة، أو ظلم صغير يعتاد عليه الإنسان حتى يصبح جزءًا من شخصيته.
3- صور الوحشية في واقعنا
ما نشاهده اليوم من جرائم يثبت أن غياب الضمير أخطر من أي سلاح، ومن هذه الصور:
1- قتل الأطفال والاعتداء عليهم.
2- العنف الأسري الذي يحطم البيوت.
3- استغلال النساء والضعفاء.
4- الاتجار بالبشر.
5- سرقة أموال الناس بالنصب والاحتيال.
6- التنمر والإذلال عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
7- الرشوة والفساد الإداري.
8- نشر الشائعات التي تدمر الأسر والمجتمعات.
9- الغش والخيانة في العمل والتجارة.
كل هذه المظاهر تؤكد أن الجريمة تبدأ عندما تموت الرحمة في القلب.
4- أمثلة من الواقع
لقد شهد العالم في السنوات الأخيرة جرائم هزت الإنسانية، منها:
1- قتل أطفال على أيدي بعض ذويهم في جرائم صدمت المجتمعات.
2- جرائم تعذيب انتهت بوفاة أبرياء بسبب القسوة وانعدام الرحمة.
3- عمليات نصب واحتيال استولت على مدخرات آلاف الأسر.
4- جرائم الاتجار بالبشر واستغلال الأطفال في أعمال قسرية.
5- الاعتداءات الوحشية على المدنيين في مناطق الحروب والصراعات.
وتثبت هذه الوقائع أن الإنسان، إذا فقد وازعه الديني والأخلاقي، قد يصبح أكثر خطرًا من أي حيوان مفترس.
5- لماذا يصل الإنسان إلى هذه المرحلة؟
هناك أسباب عديدة، أهمها:
1- ضعف الإيمان.
2- غياب التربية السليمة.
3- صحبة السوء.
4- الإدمان.
5- الطمع وحب المال.
6- الحقد والرغبة في الانتقام.
7- غياب القدوة الحسنة.
8- ضعف الوازع الأخلاقي.
قال تعالى:
﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53].
6- الإسلام يحمي الإنسانية
جاء الإسلام ليصنع الإنسان الرحيم، فقال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90].
وقال سبحانه:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
وقال أيضًا:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
وقال النبي ﷺ:
«الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.»
وقال ﷺ:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.»
بل إن الإسلام جعل الرحمة بالحيوان سببًا لدخول الجنة، فكيف بمن يرحم الإنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير من خلقه؟
7- رسالة إلى كل إنسان
ليست القوة في البطش، ولا العظمة في السيطرة على الضعفاء، وإنما القوة الحقيقية أن يملك الإنسان نفسه عند الغضب، وأن يحفظ لسانه ويده، وأن يجعل ضميره حيًا لا ينام.
قال رسول الله ﷺ:
«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.»
فلنحاسب أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا، ولنغرس في أبنائنا الرحمة والصدق والأمانة واحترام حقوق الآخرين، فبصلاح الإنسان يصلح المجتمع، وبفساد الضمير تنتشر الجريمة وتضيع القيم.
وفي الختام، تبقى الحقيقة التي لا تتغير: عندما يموت الضمير تولد الوحشية البشرية، وعندما يحيا الإيمان والرحمة يعود الإنسان إلى فطرته التي كرمه الله بها.
اللهم أحْيِ ضمائرنا بطاعتك، وزيّن قلوبنا بالإيمان، واجعلنا من أهل الرحمة والعدل والإحسان، واحفظ أوطاننا ومجتمعاتنا من الظلم والعدوان، إنك ولي ذلك والقادر عليه.
