إنهم يبيعون لك الجبنَ الفاسدَ
بقلم: عمرو صلاح الغندقلي
كثيرًا ما ينخدع الناس بالمظهر، فيحكمون على الأشياء من خلال شكلها أو طعمها أو رائحتها، بينما يغفلون عن جوهرها الحقيقي ومضمونها العميق. وهكذا تصبح المظاهر البراقة قادرةً على إخفاء كثيرٍ من العيوب، بل وربما تحويل الفاسد إلى شيءٍ مرغوبٍ ومطلوب.
لقد استطاعت مُحسِّنات الطعم واللون والرائحة أن تفرض حضورها بقوة في عالم المنتجات الغذائية وغيرها، حتى صار بعضها يُقدَّم للناس في صورةٍ جذابة تخفي ما وراءها من أضرارٍ ومخاطر. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الزيف إلى عادة، ثم إلى إدمانٍ يصعب التحرر منه، فيعتاد الإنسان ما يضره، ويستطيب ما يفسد فطرته دون أن يشعر.
وهذه ليست مجرد ظاهرة غذائية أو استهلاكية، بل هي فلسفةٌ أوسع امتدت إلى جوانب كثيرة من حياتنا المعاصرة. فكم من فكرةٍ رُوِّج لها لأنها جذابة في ظاهرها، وكم من سلوكٍ انتشر لأنه مُغلَّف ببريقٍ خادع، وكم من قيمٍ أصيلة تراجعت أمام منتجاتٍ ثقافية وفكرية لا تحمل من الجودة إلا مظهرها الخارجي.
وفي كثيرٍ من المجتمعات التي لم تنجح بعد في بناء وعيٍ نقديٍّ راسخ، يصبح الإنسان أكثر قابليةً لاستهلاك ما يُقدَّم إليه دون تمحيص. فينتظر ما يُلقى إليه من الخارج، ويتلقاه بإعجابٍ وانبهار، دون أن يتساءل عن حقيقته أو أثره أو الغاية الكامنة وراءه. وهنا تبدأ رحلة الاغتراب؛ اغتراب الإنسان عن ذاته، وعن هويته، وعن فطرته التي خُلق عليها.
إن الابتعاد عن الفطرة لا يعني مجرد تغيير بعض العادات، بل يعني فقدان البوصلة الداخلية التي تهدي الإنسان إلى التوازن. وحين تطغى المادية على كل شيء، ويتحول الوجود إلى كتلٍ من الخرسانة والمصالح والاستهلاك، يبهت الحس الإنساني، وتضعف الصلة بالطبيعة وبالمعاني الكبرى للحياة.
والأشدُّ ألمًا أن كثيرًا من الناس يقاومون كل محاولةٍ لإيقاظهم من هذه الغفلة، فيسخرون ممن يدعوهم إلى التأمل والمراجعة والعودة إلى البساطة والانسجام مع الطبيعة. وفي المقابل، يجد أصحاب المصالح في هذا الواقع بيئةً مثاليةً لاستمرار نفوذهم، لأن الإنسان المنشغل بالمظاهر أقل ميلًا إلى السؤال، وأبعد عن اكتشاف الحقيقة.
إن الحفاظ على التوازن بين الإنسان والطبيعة، وبين المادة والروح، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورةٌ وجودية. فالعبث بهذا التوازن يفتح أبوابًا واسعة للفوضى والاضطراب، ويُنتج أشكالًا متعددة من الخراب، تبدأ من داخل الإنسان ثم تمتد إلى المجتمع والعالم من حوله.
لذلك، ينبغي لنا أن نتحلى بالوعي والبصيرة، وألا ننخدع بكل ما يبدو جذابًا في ظاهره. فليست القيمة فيما يُرى بالعين أو يُستساغ بالذوق، بل فيما يحمله الشيء من حقيقةٍ ونفعٍ وأثر.
فكثيرًا ما يُباع الجبنُ الفاسدُ في أغلفةٍ جميلة.
دمتم بخير
