هل فَقَدَتِ الأُنثى المصريةُ معنى الأنوثة؟بقلم: عمرو صلاح الغندقلي
المقدمة: ظاهرة الطلاق
كثيرًا ما نسمع عن ارتفاع حالات الطلاق هذه الأيام، دون أن نفهم الأسباب الحقيقية وراءها. والمشكلة أن معظم النقاشات تُهمِّش هذا الموضوع، رغم أنه يحمل مفتاحَ حلِّ كثيرٍ من المشكلات بين الأزواج. وهذا المقال محاولةٌ لفهم الجذور الحقيقية لهذه الظاهرة.
أولًا: الجهل بمعنى الزواج قبل الدخول فيه
الكثير ممن يُقبِلون على الزواج، رجالًا ونساءً، لا يعرفون حقيقته. وليسوا سيئين بالضرورة، لكنهم يجهلون معناه العميق. وترجع أسباب هذا الجهل إلى:
غياب القدوة أو المُعلِّم: إذ لم يجد هؤلاء شخصًا ناضجًا يساعدهم على فهم الزواج بوصفه علاقةً مقدسة، وليس مجرد عادة اجتماعية أو علاقة جسدية.
فشل المؤسسات التربوية: فالبيئة المحيطة، من أسرة ومدرسة ومجتمع، لم تُقدِّم نموذجًا صحيحًا للزواج الناجح.
الوعي المُزيَّف: إذ تُقدِّم وسائل الإعلام ومنصات التواصل صورةً مشوَّهة عن العلاقة بين الرجل والمرأة، إمَّا بصورة سطحية، أو من منظور جسدي بحت.
ثانيًا: الرجل والخلط بين الرجولة والفحولة
الرجل اليوم لا يعرف معنى الرجولة الحقيقية. ويظن بعضهم أن «الفحولة»؛ أي القدرة الجسدية أو السيطرة، هي المقياس الوحيد لرجولته، وهذا خطأ كبير.
فالرجولة الحقيقية تعني أن تكون سندًا لامرأة حياتك، وأن تُشبِعها عاطفيًّا ونفسيًّا بكل ما تحمله الكلمة من معنى:
الحنان: ليس ضعفًا، بل قوة عاطفية.
العطف: فهم مشاعرها وتخفيف آلامها.
الاحتواء: تقبُّلها كما هي، بما لها وما عليها.
الاهتمام: أن تُشعرها دائمًا بأنها مهمة ومُقدَّرة.
وعندما يفعل الرجل ذلك، تشعر المرأة بأنوثتها، وفي المقابل تصبح هي مرآةً تعكس له جوهر رجولته الناضجة.
ثالثًا: الأنوثة المفقودة.. مفهوم مقدس ومسؤولية عظيمة
الأنوثة الحقيقية ليست مجرد جسد أو أناقة أو ضعف، بل هي مفهومٌ عميق يعكس جمالًا إلهيًّا في الكون.
فالأنثى الحقيقية هي:
أمٌّ حانية: ليست فقط لأطفالها، بل لأسرتها كلها.
حاوية: شخصية قادرة على احتواء طاقة الرجل وقلقه وانفعالاته.
صانعة للاستقرار: فعندما تستقر الأنثى في داخلها وتفهم معنى أنوثتها، ينعكس ذلك على استقرار الأسرة والمجتمع.
الدليل الصوفي
في التصوف، يُنظر إلى الأنوثة بوصفها مظهرًا للتجلِّي الجمالي الإلهي في الكون، بما يحمله من صفات الرحمة واللطف والإحسان. بينما يميل الرجل أكثر إلى التجلي الجلالي المرتبط بالقوة والهيبة والعدل.
والزواج الناجح، من هذا المنظور، هو تكامل بين هذين التجليين. وحين تفقد الأنثى إحساسها بهذا الدور، أو يفقد الرجل إحساسه بدوره، يختل ميزان العلاقة.
رابعًا: الوعي بالعلاقة الحميمة بوصفها فنًّا مقدسًا
ليس المقصود هنا العلاقة الجسدية فقط، بل كل تفاصيل اللقاء الإنساني بين الزوجين.
المحافظة على جمالها ، والعناية بالنظافة الشخصية والنفسية قدر المستطاع ، وأن تظهر فى أبهى صورة .
فالأنثى الواعية تكون مانحةً للحب والمشاعر في كل لقاء مع زوجها، بحيث يحمل كل لقاء طابعًا جديدًا ومتجددًا:
كأنها زهرة مختلفة اللون والرائحة في كل مرة.
وهذا التجدد يُبقي العلاقة حيةً ونابضة.
فلا تكون مجرد متلقية للحب، بل شريكة مبدعة في صناعته.
خامسًا: ثمار فهم الرجولة والأنوثة
عندما يتحقق هذا التكامل:
بالنسبة للرجل: يصبح أكثر نضجًا واتزانًا نفسيًّا، فينطلق إلى مجتمعه ليُبدع ويبني في مجاله العلمي أو العملي.
بالنسبة للمرأة: تُسهم في تربية الأبناء على قيم الحب والاحترام والتفاهم، وتُعلِّمهم منذ الصغر المعنى الصحيح للعلاقة الزوجية.
بالنسبة للمجتمع: تتراجع كثير من أسباب التفكك الأسري، وتنشأ أسر أكثر قوةً وقدرةً على تنشئة أفراد أسوياء.
الحلول العملية المقترحة
على الرجل أن يبحث ويقرأ ويسأل ليفهم معنى الرجولة الحقيقية، لا مجرد الفحولة.
وعلى المرأة أن تبحث وتتعلَّم لتفهم معنى الأنوثة الواعية ودورها في بناء الأسرة.
وعلى المجتمع أن يوفِّر برامج تأهيل وتوعية قبل الزواج للعريس والعروس، تتناول هذه المعاني الإنسانية العميقة، لا الجوانب القانونية والطبية فقط.
خلاصة
الزواج ليس مجرد وثيقة أو علاقة جسدية، بل هو مرآة تعكس رجولة الرجل وأنوثة المرأة.
فإذا غاب المعنى، كثرت المشكلات وارتفعت معدلات الطلاق. أما إذا فهم كل طرف دوره الإنساني الحقيقي، وأدرك أن العلاقة تقوم على التكامل لا الصراع، استقر البيت، وقويت الأسرة، ونشأ جيل يعرف كيف يحب، وكيف يبني حياةً زوجيةً ناجحة.
دمتم بخير،

