📁 آخر الأخبار

في مَتاهَةِ اللايَقينِ على حافَّةِ الهاويةِ

 


في مَتاهَةِ اللايَقينِ على حافَّةِ الهاويةِ

بقلم: نور خالد أبو عمر
في مدينةٍ غارقةٍ في الضباب، كان رجلٌ يجوبُ الأزقة المظلمة، يجرّ خلفه سلسلةً من الأسئلة الثقيلة كالأغلال.

كان كلّ بابٍ مغلق يرمز إلى يقينٍ مفقود، وكل نافذةٍ مطفأة تفضح هشاشة المعنى.
لم يعد الزمن من حوله خطًا مستقيمًا، بل شظايا زجاجٍ تتناثر في وجه الوعي، تدميه وتذكّره بأنّ الحقيقة ليست سوى سرابٍ يتبخر عند أول مواجهة.
جلس على حافة جدارٍ متصدّع، يراقب ساعةً معلّقة تتحرك عقاربها بلا انتظام، وكأن الزمن نفسه قد فقد بوصلة الثبات.
في داخله صراعٌ لا يهدأ:
عقلٌ يطالب بالمنطق الصارم.

قلبٌ يصرخ بالأسئلة الحائرة.

روحٌ تتأرجح بين الرغبة في النجاة، والاستسلام للهاوية.

فكانت كل فكرةٍ تتحوّل إلى جرح، وكل حلمٍ يتهاوى كجدارٍ هشّ أمام ريحٍ لا ترحم.

لم يكن اللايقين مجرد غموضٍ عابر، بل قسوة وجودية تنهش الفؤاد كما تنهش النار جسدًا غضًّا.
إنه يفضح هشاشتنا، يعرّي ضعفنا، ويكشف أن كل ما حسبناه ثابتًا ليس إلا قناعًا زائفًا يخفي خواءً عميقًا.
ومع ذلك، كان هناك همسٌ خفيّ يتردد في أعماقه: "اللايقين ليس عدوًا، بل هو المعلّم الأقسى؛ يعلّمنا أن الحرية لا تكمن في امتلاك الحقيقة، بل في القدرة على مواجهة العدم بلا أقنعة".

حين وصل إلى أطراف المدينة، وجد نفسه يطلّ على هاويةٍ بلا قاع.
وقف طويلًا يحدّق في الفراغ، شاعرًا أن السؤال هو السكين الذي يفتح جرحًا جديدًا في وعيه، وأن القلق هو النار التي تحرقه لتصهر ذاته وتصقلها.
في تلك اللحظة، كفّ عن البحث عن يقينٍ يقيّد روحه، وصار يحتضن ارتباكه بوصفه جزءًا أصيلًا من الرحلة، كأنّ اللايقين نفسه قد تحوّل إلى بوصلةٍ تقوده نحو أفقٍ جديد.
وهكذا، في زمنٍ بلا يقين، أدرك أن الحياة ليست إجابةً نهائية صاغتها الأقدار، بل سرديةٌ مفتوحة تُكتب بالدمع والرماد.
إنّ الإنسان ليس كائنًا يسعى إلى نقطة نهاية، بل روحٌ تسافر في متاهة الأسئلة، لتكتشف جوهرها مع كل سقوطٍ جديد.
وفي مواجهة العدم يولد المعنى، وفي أتون الاحتراق يتجلّى الوعي، ليصبح اللايقين في النهاية ليس لعنةً تُطاردنا، بل الصرخة الوجودية التي تذكّرنا بأننا أحياء، وأننا في رحلةٍ سرمدية نحو حقيقةٍ لا تُقبض باليد، لكنها تمنح للحياة معناها الأعمق.
تعليقات