بين ضوء القلب وظل الغياب
بقلم: وائل عبد السيد
في صمتِ ليلٍ طويلٍ كأنَّهُ العمرُ حينَ يضيق،
جلستُ أُحادثُ قلبي، وأُخفي ارتباك الطريق،
أُقلِّبُ صفحاتِ روحي، وأبحثُ بينَ الحنين،
عن الأمنياتِ التي ضاعتِ الآنَ خلفَ السنين.
تُناديني الذكرياتُ البعيدةُ: لا تنسَنا،
ففي حضنِنا كنتَ يومًا، وكانَ الزمانُ هنا،
وكانت خطاكَ خفيفةً مثلَ طيرٍ يطير،
وكانت عيونُكَ تحلمُ دومًا بصبحٍ يُنير.
ولكنَّ دربَ الحياةِ تعلَّمَ كيفَ يُغيِّرُنا،
يُبدِّلُ فينا الملامحَ، يمحو، ويُظهِرُنا،
فنصحو على بعضِ فقدٍ، وبعضِ انكسار،
ونمضي كأنَّ الذي كانَ صارَ غبار.
أيا قلبُ، كم مرَّ فيكَ الحنينُ ثقيلًا،
وكم ذُقتَ من طعمِ وجعٍ يجيءُ جميلًا،
فبعضُ الألمِ يُعلِّمُنا كيفَ نحيا،
وكيفَ نُرتِّبُ في الروحِ حلمًا بديعًا خفيًّا.
أنا لستُ أدري لماذا نُحبُّ الرحيل،
ونخشى البقاءَ، ونبكي على المستحيل،
نُعلِّقُ آمالَنا فوقَ كفِّ القدر،
وننسى بأنَّ الرضا أجملُ المنتظر.
رأيتُ الوجوهَ التي كانت الأمسَ نور،
وقد غابَ عنها البريقُ، وصارَتْ فتور،
ورأيتُ القلوبَ التي ضمَّها الدفءُ يومًا،
تفرَّقَ فيها الشتاتُ، وضاعَتْ نجومًا.
فقلتُ لنفسي: تمهَّل، ولا تنكسر،
ففي كلِّ ضيقٍ سيُولَدُ فجرٌ يُزهر،
وإن طالَ ليلُ الأسى، فالصباحُ قريب،
وإن خانكَ الحلمُ، فاللهُ دومًا يُجيب.
سأمضي، وإن ضاقَ صدري، وأرفعُ رأسي،
وأزرعُ في دربِ عمري بقايا حماسي،
فما خُلِقَ الإنسانُ كي يستكين،
ولكن ليحيا كريمًا، قويًّا، أمين.
فيا أيُّها القلبُ، لا تيأسَنَّ من الغد،
ولا تتركِ الحزنَ يسري كسمٍّ في الجسد،
تعلَّمْ بأنَّ الجراحَ تُصبحُ يومًا وسام،
وأنَّ الظلامَ سيُهديكَ معنى السلام.
وإن ضعتَ يومًا، فابحثْ بداخلِك النور،
فأنتَ الحكايةُ، أنتَ البدايةُ والدور،
وما بينَ نبضِك والصمتِ سرٌّ عجيب،
يُخبِّئُ فيكَ الأملَ، رغمَ كلِّ الغياب.
