أقنعة سوق النخاسه تفضح النفاقبقلم: نور خالد أبو عمر
في زمنٍ مضى، كان الكثيرون يظنون أن المجاملة هي مفتاح القبول، وأن التنازل عن بعض ملامحنا يضمن لنا مكاناً في قلوب الآخرين. كنا نبتسم في وجوه المنافقين، ونساوم على ودّنا وكأننا نَعرضه في سوق نخاسةٍ جديد؛ سوقٍ لا تُباع فيه الأجساد كما في عصور الموتى، بل تُباع فيه الضمائر والأفكار، وتُعرض فيه الكرامة على رفوف المجاملات الرخيصة. لكن هذا السوق الرمادي لا يورث في النهاية إلا الخسارة؛ فكل ابتسامةٍ مصطنعة وتنازلٍ فارغ كانا قرباناً من صحتنا وأعصابنا، حتى أدركنا أن الثمن يفوق كل مكسبٍ متخيَّل.
اليوم، نعيش ولادة وعي جديد؛ وعي يفرض علينا أن ندرك أن مقاعدنا في هذه الحياة ليست هبةً مجانية، بل هي قيمة راسخة لا تُمنح إلا لمن يعرف وزنها حقاً. فلم يعد ممكناً أن نرتضي فتات الاهتمام، أو نقبل بأنصاف الحلول، بعد أن تعمّدنا بوجع النضج، ودفعنا من سلامنا النفسي وصحتنا ضريبة هذا الوعي؛ إذ إن من حق ذواتنا علينا اليوم أن نصونها من الهدر والاستنزاف.
ومن هذا المنطلق، لا يعود الصمت في فضاءات التهميش عجزاً، بل يتجلى كأسمى درجات الوقار، كما لا يصبح الانسحاب من مسرح النفاق هروباً، وإنما هو انحيازٌ وجودي للصدق؛ فنحن لا نختار العزلة، بل نختار أن نكون حقيقيين وسط عالم من الأقنعة، في نداءٍ كونيّ لحياةٍ أكثر نقاءً؛ حياةٍ لا يُقاس الحب فيها إلا بصدق الحضور، ولا يُوزن الاحترام إلا بنقاء السريرة.
إن الوجود الذي يكرّس طقوس الزيف يظلّ ظامئاً لأصواتٍ حرة تكسر قيوده الرتيبة، وتُعيده إلى الفطرة الأولى حيث الكرامة جوهر الكينونة وليست ترفاً عابراً. ومن هنا، تبرز حاجتنا لثورة داخلية صامتة؛ ثورة تعيد هندسة أولوياتنا، وترسم حدوداً ميتافيزيقية واضحة بين ما يستحق الالتفات ويستحق أن نهبه قبساً من أرواحنا، وبين ما يجب أن نتركه خلفنا، ليموت في غيابات النسيان بلا أسف.
لقد حانت لحظة الانعتاق؛ لحظة نغلق فيها أبواب ذلك السوق الحديث الذي تُقايَض فيه القيم وتُشترى فيه الهويات المزيفة، وآن الأوان أن نتحرك في فضاءات الصدق العارية بلا مبررات، وأن نُعيد للروح عرشها الأصيل في زمنٍ بات يضيق بالزيف والمظاهر؛ فالشغف بالحق نارٌ لا تخبو، والكرامة قيمة مطلقة لا تقبل القسمة أو المساومة، والصدق هو النور الأزلي الذي يبدد عتمة التيه.
فلنمنح ذواتنا ما تستحقه من صفاء، ولنجعل من حيزنا الوجودي ملاذاً يليق بالحرية والوقار؛ ملاذاً يتعالى على منطق البيع والشراء، لـيُعاش بصدقٍ كامل، ويُحيا بشغفٍ متجدد لا ينطفئ.
وحين تشرق الحقيقة، تسقط الأقنعة فينخلع زيف العالم في غمرة الوعي، وتسترد الروح عرشها المفقود بعد طول اغتراب. وبدلاً من أن نموت ببطء ككومبارس في مسارح الآخرين، نعلن التمرد على المخرج والمشهد، ولنعيش حقيقةً كاملة داخل روايتنا الخاصة؛ حيث السيادة للذات الحرة، والنقاء المطلق.
