📁 آخر الأخبار

آنَ الأوانُ لكي يستريحَ البطلُ


 آنَ الأوانُ لكي يستريحَ البطلُ

بقلم: عمرو صلاح الغندقلي
كان مُسَجًّى على قارعة الطريق بين جبلين. رصدته قافلةٌ متجهةٌ إلى الحج. كان رأسُه وحده محصورًا بين صخرتين، أمّا جسدُه فمُلقًى في بركةٍ من دماءٍ متحجِّرة، نحتت أخاديدَ في الرمل كأنها خريطةٌ تدلُّ عليه. كانت يدُه ما تزال مشدودةً على قبضة سيفه، لم يفارقه حتى بعد الموت. ولحيتُه غارقةٌ في دمٍ ممزوجٍ بالتراب.
تفطَّن أحدُهم لتلك الرائحة، فتلفّت يبحث عن مصدرها، فلم يجد سواه: عبيرُ المسك والباتشولي يتصاعد من الجثة. تجمهر القومُ حوله، وقال أحدهم:
— هذا الرجل قُتِل غدرًا.
تأملوه جميعًا في دائرة، فرأوا آثارَ طعناتٍ ورماحٍ وسهامٍ متناثرة. كانت الرماحُ مبعثرةً حوله، ورمحٌ كبيرٌ ساقطٌ على بُعد خطوات.
......
كان فارسًا منذ نعومة أظفاره. يتخذ من جريد النخل سيفًا، يبارز به كلَّ من لقيه من رفاقه. ولمّا كبر، لم يعثر الملكُ على فارسٍ أشهرَ منه، فجعله قائدَ جيشه.
ما أحبَّ في حياته غيرَ سُمَيَّة، ابنةِ الرجل الذي علَّمه فنون السيف. كان سريعًا، ذكيًّا، رشيقًا، لا يملُّ التدريب. وكلما توقفت الحرب، واصل صقلَ مهارته وتجديدَ أساليبه.
وكان معلِّمُه يقول له ذات يوم:
— لا تغفل عن صقل مهاراتك بالتدريب والتجديد واستخدام الخدعة؛ فالعدوُّ يرقبك وأنت لا تدري، وينتظر لحظةَ الغفلة ليُسقطك.
أحبته سُمَيَّة بكل جوارحها، ولم ترَ بين الرجال سواه. كان فتىً حنونًا، قويًّا رقيقَ القلب، يعرف قدرَ الحب ومعنى العطاء. كريمًا لا يخشى الفقر، ولا يميل إلى منصب، ولا يُؤثر المال.
وكلما توجَّه إلى الحرب، قبَّلته وعلَّقت في عنقه مسبحةً ورثتها عن جدتها الصالحة. فيخوض المعركة، فيراه الأعداء كالنمر، يطيح بهم ولا يهدأ حتى يظفر بالنصر.
......
عثر رجالُ القافلة على حبات مسبحةٍ متناثرة حول الجثة.
مَن قطع المسبحة؟
كان يطارد الأعداء الفارِّين من ساحة القتال. اندفع ممتطيًا جواده، شاهرًا سيفه، يصيح فيهم. ظنَّ أن الجند خلفه، وأن الرفاق معه، لكنه توغَّل بعيدًا دون أن يلتفت، حتى وجد نفسه وحيدًا بين جبلين.
لم يدرك أنه وقع في فخٍّ دبَّره الأصدقاء والأعداء معًا.
قاتل بقوةٍ خارقة، وأردى عددًا كبيرًا منهم، ولم يستطيعوا هزيمته رغم تفوقهم العددي. فلمّا أُصيب فرسُه، نزل وقاتل بسيفه. فجأةً، وجد سهمًا في ظهره. لم يلتفت، بل اجتذبه واستمر في القتال.
ثم انقضَّ عليه رجلٌ من الخلف، انتزع المسبحة من عنقه وطعنه بخنجر.
التفت إليه.
فإذا هو يزيد... صديقُه.
في تلك اللحظة مات من هول الصدمة قبل أن يموت من الجراح. اتسعت عيناه، وانفرج فمُه ذهولًا. وبينما هو على تلك الحال، انهالت عليه سيوف الأعداء من كل جانب.
ثم أصابه رمحٌ في كبده، فسقط راكعًا على ركبتيه.
وتقدَّم شداد ـ صديق طفولته ـ وضرب بسيفه عنقه.
طار الرأس، ثم تدحرج على الرمال كالكرة حتى استقر بين فجوتي صخرتين.
أما الجسدُ فسقط أرضًا، ويدُه لا تزال مشدودةً على قبضة سيفه.
اقترب يزيد من شداد وقال:
— علينا أن نهدأ الآن. سنقول: إن الأعداء قتلوه. سيجعلنا الملك قادةً من بعده، ونصالح الأعداء، ونكفَّ عن الحروب. هناك جوارٍ تنتظرنا، وقنينةُ نبيذٍ معتَّقٍ طال شوقنا إليها. آن لنا أن نترك القتال والجراح، وأن نُبدِّل تلك الأيام بأيامٍ من الأفراح.
ثم نظر إلى الجسد الطريح وقال:
— كان هذا البطل لا يكفُّ عن الحروب. كان يُرهب العدوَّ بصيحاته، ويُرهقنا معه في كل معركة. فمتى سنعيش ما تبقى من أعمارنا؟
ساد صمتٌ قصير.
ثم قال شداد:
— آنَ الأوانُ لكي يستريحَ البطلُ.
بقلم: عمرو صلاح الغندقلي
تعليقات