حين صنعت القراءة مستقبل ابن الشهيدقلم:عمرو صلاح الغندقلي
نادت الأم:
ـ نادر... نادر.
ـ نعم يا أمي.
ـ اترك الكتاب قليلًا، فقد أعددتُ الطعام.
رفع نادر عينيه عن الصفحات وقال مبتسمًا:
ـ دقائق فقط يا أمي، بقي فصل واحد وأنتهي.
تنهدت الأم وقالت:
ـ لا أفهم كيف أصبحت أسيرًا لهذه الكتب! تقضي الساعات معها وكأن العالم اختفى من حولك. أخشى عليك من هذا الانعزال.
أغلق نادر الكتاب على إصبعه وقال بهدوء:
ـ كما تحرصين على غذاء جسدي، أحرص أنا على غذاء عقلي. القراءة ليست مجرد هواية، إنها تبني الإنسان وتمنحه القدرة على الفهم والإبداع.
دعيني أنهي هذا الفصل، ثم آتي إليك بقلب حاضر وعقل مرتاح.
ابتسمت الأم وهزت رأسها:
ـ يبدو أن مجادلتك مضيعة للوقت، فأكمل ما عندك.
ذهبت لترتيب المائدة، بينما عاد نادر إلى كتابه. وما إن انتهى حتى أسرع إليها وجلس يتناول الطعام.
قال وهو يتذوق أول لقمة:
ابتسمت الأم وهزت رأسها:
ـ يبدو أن مجادلتك مضيعة للوقت، فأكمل ما عندك.
ذهبت لترتيب المائدة، بينما عاد نادر إلى كتابه. وما إن انتهى حتى أسرع إليها وجلس يتناول الطعام.
قال وهو يتذوق أول لقمة:
ـ ما أروع طعامك يا أمي! كل مرة أشعر أنني أتذوق شيئًا صنع بحب.
ابتسمت الأم رغم محاولتها إخفاء سعادتها، ثم قالت:
ـ كلما أعددت الطعام تأخرت عنه بسبب كتبك.
ـ أعتذر يا أمي، فالقراءة تجعلني أنسى الوقت.
سكتت قليلًا ثم قالت:
ـ يقلقني أمرك يا بني. لم يبقَ على تخرجك سوى عام واحد، ولا أراك تفكر في وظيفة أو مهنة. أخشى أن تضيع سنواتك بين الكتب.
وضع نادر الملعقة جانبًا وقال بثقة:
ـ لا أرى القراءة مضيعة للوقت. إنها أساس كل نجاح. وقد قررت أن أعمل في كتابة المحتوى وصناعة المعرفة الرقمية.
العالم يتغير يا أمي، والفرص اليوم ليست كما كانت بالأمس. وما أتعلمه من الكتب سيكون رأس مالي الحقيقي.
نظرت إليه الأم بإعجاب، ثم ترقرقت الدموع في عينيها.
نهض نادر فزعًا واحتضنها:
ـ سامحيني يا أمي، هل أغضبتك؟
ربتت على كتفه وقالت:
نظرت إليه الأم بإعجاب، ثم ترقرقت الدموع في عينيها.
نهض نادر فزعًا واحتضنها:
ـ سامحيني يا أمي، هل أغضبتك؟
ربتت على كتفه وقالت:
ـ لا يا حبيبي. تذكرت أباك فقط. منذ استشهاده في رفح قبل ست سنوات وأنت كل عالمي. تمنيت لو كان هنا ليرى كيف كبرت، وكم كان سيفخر بك.
تنهدت ثم أضافت:
ـ لقد أزحت عن قلبي همًا كبيرًا اليوم. ربما لا أفهم كل ما تقوله عن العالم الرقمي، لكنني أثق بك.
ابتسم نادر وقبّل يدها وقال:
ـ كل ما أنا عليه يعود إليكِ. كنتِ لي أمًا وأبًا، وغمرتِني بحنانك وصبرك. وما نجاحي إلا ثمرة من ثمار عطائك.
اغرورقت عيناها بالدموع مرة أخرى، لكنها كانت دموع فخر هذه المرة.
وقالت وهي تنظر إليه بحب:
ـ حين سميتُك نادرًا كنت أرجو أن تكون مختلفًا، واليوم أرى أنك استحققت اسمك حقًا.
أما نادر، فابتسم وهو يشعر أن أعظم ما يمكن أن يحققه الإنسان ليس النجاح وحده، بل أن يرى الرضا في عيني أمه.
