📁 آخر الأخبار

قيمنا التربوية.. إلى أين؟

 


قيمنا التربوية.. إلى أين؟

                         بقلم: د. ضياء السيد الصيرفي
الأسرة هي المدرسة الأولى التي يتلقى فيها الطفل دروس الحياة وقيمها، فهي الحاضنة التي يتشكل فيها الوعي، وتتكون من خلالها الشخصية الإنسانية.
وعلى مر العقود، حرصت الأسر على غرس منظومة من القيم الأخلاقية والاجتماعية التي أسهمت في بناء أجيال متماسكة وقادرة على تحمل مسؤولياتها تجاه نفسها ومجتمعها.
غير أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة التي طرأت على العالم اليوم فرضت واقعًا جديدًا على العملية التربوية، الأمر الذي أثار العديد من التساؤلات حول مصير بعض القيم التي كانت تُعد في الماضي من المسلمات التربوية.
ولعل من أبرز القيم التي شهدت تراجعًا ملحوظًا قيمة احترام الكبار؛ فقد كان الأبناء ينشؤون على تأكيد أهمية توقير الوالدين وكبار السن، وترسيخ آداب الحوار، وحسن الاستماع، والالتزام بالتوجيهات الأسرية.
أما اليوم، فإن التغيرات الثقافية المتلاحقة، وتأثير وسائل الإعلام الحديثة، وازدياد المساحات الفردية في حياة الأبناء، كلها عوامل أسهمت في تغيير قناعات الأبناء، وإنشاء فجوات في التواصل بين الأجيال، مما أدى إلى إضعاف هذه القيمة لدى بعض الفئات العمرية.
وتشير الدراسات التربوية إلى أن الطفل يكتسب سلوك الاحترام من خلال القدوة والممارسة اليومية أكثر من اكتسابه عبر التوجيه اللفظي المباشر، وهو ما يبرز أهمية الدور الأسري في هذا المجال.
ومن القيم ذات التأثير الكبير في جودة النشأة والأجيال المستقبلية، والتي تواجه تحديات حقيقية في رحلة التربية المعاصرة، قيمة المسؤولية.
فقد أصبح كثير من الآباء والأمهات، بدافع الحرص الزائد أو الرغبة في توفير الراحة لأبنائهم، ينجزون الكثير من المهام نيابة عنهم. ونتيجة لذلك، تقل فرص تعلم الاعتماد على النفس وتحمل نتائج القرارات الشخصية.
ويؤكد عدد من علماء التربية أن إشراك الأبناء في الأعمال المنزلية المناسبة لأعمارهم، وتكليفهم ببعض المهام المحددة، ومنحهم مساحة لاتخاذ القرار، يسهم في بناء شخصية مسؤولة، تُقدّر الالتزام، وتعي عواقب التراخي والسلبية، وتكون قادرة على مجابهة تحديات الحياة.
ومن القيم التي تراجعت أيضًا في هذا العصر المتسارع قيمة الصبر والمثابرة.
ففي عصر السرعة والتقنيات الذكية، أصبح الحصول على المعلومات والخدمات يتم خلال ثوانٍ معدودة، مما عزز ثقافة النتائج الفورية. وقد انعكس ذلك على سلوك أطفالنا الذين باتوا أقل قدرة على الانتظار أو بذل الجهد لفترات طويلة من أجل تحقيق أهدافهم، حيث أصبحت الألعاب والخدمات متاحة بضغطة زر، وساد نمط من الراحة والاسترخاء دون بذل طاقة أو مجهود.
ويشير خبراء علم النفس التربوي إلى أن التربية تتطلب المثابرة على تدريب الأبناء لمواجهة التحديات، وتشجيعهم على الاستمرار رغم الصعوبات؛ لأن النجاح الحقيقي لا يتحقق غالبًا إلا عبر الجهد المتواصل.
أما قيمة التعاون، التي شكلت لسنوات طويلة أحد أعمدة العلاقات الاجتماعية، فقد تأثرت بدورها بأنماط الحياة الحديثة.
ففي الماضي، كانت الأنشطة العائلية والجماعية تمنح الأبناء فرصًا واسعة للتفاعل والتشارك وتحمل المسؤوليات المشتركة. أما اليوم، فقد استحوذت الأجهزة الإلكترونية على جزء كبير من وقت الأطفال واليافعين، مما قلل من فرص التواصل المباشر بينهم وبين الآخرين.
وتؤكد تقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) أن المشاركة المجتمعية والعمل التطوعي يسهمان بصورة فعالة في تعزيز روح التعاون والانتماء لدى الأجيال.
ولا يمكن الحديث عن القيم المتراجعة دون الإشارة إلى قيمة صلة الرحم والترابط الأسري. فقد كانت اللقاءات العائلية في السابق مناسبة دورية لتبادل الخبرات وتعزيز الروابط الاجتماعية بين الأجيال المختلفة.
وتمثل ضغوط العمل والانشغال بالعالم الرقمي واقعًا مستجدًا أدى إلى تقليص مساحة التواصل الأسري المباشر، وتشير الدراسات الاجتماعية إلى أن قوة العلاقات الأسرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستويات الصحة النفسية  الشعور بالأمان لدى الأبناء، وهو ما يفسر جانبًا من أسباب كثير من الاضطرابات الشخصية لدى الأجيال الناشئة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن تراجع بعض القيم لا يعني اختفاءها من المجتمع، بل يعكس الحاجة إلى إعادة إحيائها بأساليب تتناسب مع متطلبات العصر. فالقيم الإنسانية الأصيلة لا تفقد أهميتها بمرور الزمن، وإنما تتطلب وسائل تربوية متجددة للحفاظ عليها وترسيخها في نفوس الأجيال الجديدة.
إن مستقبل المجتمعات لا يُقاس فقط بما تمتلكه من تقنيات أو إمكانات مادية، بل بما نغرسه في أبنائها من أخلاق وقيم تحصن الأفراد، وتزيد من صلابتهم النفسية في مواجهة تحديات الحداثة.
وبذلك تبقى الأسرة، إلى جانب المدرسة ومؤسسات المجتمع المختلفة، مطالبة بتجديد دورها التربوي، حتى تنشأ أجيال تجمع بين المعرفة الحديثة والالتزام بالقيم التي تحفظ تماسك المجتمع واستقراره.
تعليقات