📁 آخر الأخبار

وحـدة الديـن وصـراعات السياسـة والتـاريخ


وحـدة الديـن وصـراعات السياسـة والتـاريخ

 بقلم: نور خالد أبو عمر

الدين في جوهره واحد، نور ممتد من قلب إبراهيم إلى قلب محمد ﷺ، مرورًا بموسى وعيسى عليهم السلام. لم يخلق الله أديانًا متفرقة، بل خلق دينًا واحدًا هو الإسلام، الاستسلام لله قلبًا وعقلًا. 

وحاشا لله، وهو الإله الواحد الأحد، المنزه عن التناقض والاختلاف، أن ينزل تشريعات تتصادم، أو يرسل معتقدات تتناحر؛ فالله لا يناقض نفسه، وكتابه الكوني والتشريعي يقوم على الوحدة لا الشتات.
أما الفتن والانقسامات التي مزّقت الناس، والتحزبات التي أوهمت البشر بتعدد الأديان وتضاربها، فلم تكن من الدين في شيء، بل كانت وليدة السياسة والأهواء البشرية. إن الساسة هم أساس نشوء حرب الانقسامات؛ حيث وجدوا في النقاء الروحي ثغرةً للسيطرة، فصنعوا من الاختلافات الطبيعية خنادق للحروب المعتقدية.

 إنها السياسة التي استغلّت المعتقدات، واختلقت المذاهب، وحرفت الحقائق لأهداف سلطوية ومصالح دنيوية، فجعلت من الدين الواحد أداةً للفرقة والصراع بدل أن يكون طريقًا للهداية والاجتماع.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾. وأعلن تمام الدين بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
وتتجلى وحدة هذا الدين عند تتبع رحلة الإسلام عبر الأنبياء والرسل؛ فقد تتابعت الرسالات الإلهية لترسيخ حقيقة واحدة، وتأكيد التوحيد الخالص عبر التاريخ. فمع إبراهيم عليه السلام كانت بداية الاستسلام، حيث قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهنا وُلد المعنى العميق للإسلام بأن يذوب الكبرياء في حضرة الله، وأن يصبح القلب مرآةً صافية تعكس نور الطاعة، ثم أوصى بنيه

 قائلاً: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ثم جاء موسى عليه السلام بنور التوراة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾، لتكون التوراة تعليمًا وشريعةً ونورًا، تقود بني إسرائيل إلى الحق، وتضع لهم منهجًا يضبط حياتهم ويهديهم إلى الصراط المستقيم، وموسى كان مسلمًا موحِّدًا جاء ليؤكد أن الله واحد لا شريك له. وتبع ذلك مجيء عيسى عليه السلام ببشارة الإنجيل، قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوَارَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾، فالإنجيل جاء بشارةً سعيدةً ورحمةً للعالمين، يؤكد التوحيد ويُبشّر بالخلاص ويذكّر الناس أن الله واحد لا شريك له، وعيسى كان مسلمًا موحِّدًا تابعًا لدين الله الواحد.

 وصولاً إلى محمد ﷺ واكتمال الرسالة، فمعه اكتملت الحكاية، ونزل قول الله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، لم يكن الإسلام جديدًا بل كان الخاتمة التي جمعت ما سبقها وأعلنت أن الدين عند الله هو الإسلام وحده، من أول إبراهيم إلى آخر الأنبياء.
وإذا نظرنا في العواقب، نجد ميزان النجاة الإلهي يقف حائلاً مقابل التحزب البشري؛ فالنجاة في ميزان الله ليست حكرًا على المسميات والألقاب التي اخترعتها التحزبات السياسية والمذهبية عبر التاريخ، بل هي قائمة على حقيقة الإيمان والعمل الصالح في كل زمان ومكان قبل أن تختم الرسالات.

 قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. هذه الآيات تؤكد أن النجاة وعدٌ لكل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا في زمنه ولم يرفض الحق حين بلغه، أما بعد بعثة محمد ﷺ فقد اندمجت كل هذه الأنوار في سبيل واحد، وصار الإسلام بخاتمته هو الطريق الوحيد للنجاة.

إن قراءة التاريخ بوعي تكشف دور الساسة ونشوء حرب الانقسامات؛ فالأنبياء جاءوا بالدين ليكون ملاذًا لسلام البشرية، لكن الساسة حوّلوه إلى وقودٍ لحروب الانقسامات. لم يكن الخلاف التاريخي يوماً خلافاً على الله أو على المبادئ الأخلاقية، بل كان صراعاً دنيوياً خالصاً على العرش، والمغنم، والنفوذ والسيطرة.

وحين عجز الساسة عن إقناع الشعوب بتبني مصالحهم الشخصية التوسعية، ارتدوا عباءة القداسة، وقسّموا الدين الواحد إلى طوائف ومذاهب متناحرة، وأوهموا كل فريقٍ بأنه يقاتل ويقتل نيابةً عن الله! ومن هنا نشأت حروب الانقسامات؛ فالسياسة هي من وضعت السيف بين الأخ وأخيه، وهي من حوّلت الهداية الإلهية الواحدة إلى متاريس سياسية وصراعات دموية، بينما الدين من فوقهم بريء، يرقب ضلالهم ويشهد على وحدته ونقائه.

وخلاصة القول، الدين بريء من دماء الفتن، بريء من الانقسامات، وبريء من التحريف. إن التعددية الوهمية للأديان والصراعات الناشئة عنها لم تكن قط مشيئة إلهية، بل هي صناعة سياسية بحتة. السياسة هي من لوّثت صفاء العقيدة، وهي من جزّأت الدين الواحد إلى طوائف متصارعة، وحولته إلى أحزاب يلعن بعضها بعضاً، وكل ذلك من أجل مكاسب دنيوية وسلطة زائلة. فالرسالات والشرائع كلها دعوة إلى الله الواحد، كلها نور وهداية ورحمة، دين الله واحد من إبراهيم مرورًا بموسى وعيسى حتى محمد ﷺ. والنجاة بالعمل الصالح والإيمان الصادق لا بالألقاب السياسية ولا بالمسميات الحزبية، فمن سلّم قلبه وعقله لله نجا، ومن جعل الدين مطيّةً للسياسة والتحزب ضلّ وأضلّ. هي رحلة ممتدة عبر الأنبياء والكتب لتؤكد أن الإسلام هو الحقيقة الواحدة، وأن السياسة وحدها هي من فرّقت الناس واختلقت الأديان، بينما الدين ظل نقيًا بريئًا من كل صراع.
تعليقات