دعم الدولة أم صناعة جمهور؟بقلم: أحمد يحيى عبدالوهاب
ليست كل لافتة تحمل شعار دعم الدولة تعني بالضرورة خدمة الدولة، وليست كل مبادرة ترفع شعارات وطنية تنجح تلقائيًا في خدمة المواطن. فخلال السنوات الأخيرة، شهد الشارع المصري ظهور عشرات الكيانات والمبادرات والحملات التي تحمل عناوين براقة تتحدث عن دعم الدولة أو مساندة القيادة السياسية أو خدمة المجتمع، لكن يبقى السؤال الأهم: ما العائد الحقيقي الذي يصل إلى المواطن؟
في كثير من الأحيان، يجد الراغب في الانضمام إلى بعض هذه الكيانات نفسه مطالبًا باستخراج كارنيه أو سداد رسوم اشتراك تحت مسميات مختلفة، مقابل وعود بدورات تدريبية أو مزايا وخدمات. لكن مع مرور الوقت، يكتشف البعض أن القيمة الحقيقية التي تتحقق تكون في زيادة أعداد الأعضاء والمتابعين وتعزيز الحضور الإعلامي للقائمين على تلك الكيانات أكثر من تحقيق منفعة حقيقية للمشتركين أنفسهم.
المفارقة أن بعض هذه المبادرات تعتمد بصورة كبيرة على المظاهر؛ صور جماعية، ولافتات ضخمة، واحتفالات، ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن النجاح يقاس بعدد الصور المنشورة أو حجم التفاعل الإلكتروني، بينما يظل المواطن يبحث عن أثر ملموس يشعر به في حياته اليومية.
ومن الظواهر التي تستحق التوقف أمامها أيضًا أن بعض المشاركين لا ينضمون بدافع العمل العام أو خدمة المجتمع فقط، بل باعتبار تلك الكيانات وسيلة لبناء شبكة من العلاقات والمعارف التي قد تساعد في تحقيق مصالح شخصية أو تسهيل بعض الإجراءات. وهنا يتحول الانتماء من رسالة مجتمعية إلى أداة لتبادل المصالح وبناء النفوذ.
وإذا كنا نتحدث عن خدمة المواطن، فإن المعيار الحقيقي لا يكون في عدد المؤتمرات أو الكارنيهات أو الصور التذكارية، وإنما فيما يلمسه المواطن في حياته اليومية. فالمواطن يريد رقابة حقيقية على الأسواق، وانضباطًا في المواصلات، وحماية لحقوقه، وخدمات عامة أكثر كفاءة، وتحسينًا ملموسًا في جودة الحياة.
كما لا يمكن تجاهل العدد المتزايد من المؤسسات الحقوقية والمبادرات المجتمعية التي ظهرت خلال السنوات الماضية. فرغم كثرة الفعاليات والبيانات والمؤتمرات، لا يزال المواطن يتساءل عن الأثر المباشر لهذه الكيانات على أرض الواقع. أين النتائج التي يمكن قياسها؟ وأين المشروعات التي أحدثت فارقًا حقيقيًا في حياة الناس؟ وأين المبادرات التي وُجدت لخدمة المواطن دون أن تتحول إلى وسيلة لتحقيق مكاسب أو مصالح خاصة؟
لا أحد يعترض على العمل العام الجاد، ولا على المبادرات الصادقة التي تخدم المجتمع وتساهم في التنمية. لكن الفارق كبير بين العمل الحقيقي والعمل القائم على الشعارات. فالدولة لا تحتاج إلى مزيد من الصور بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الإنجازات، ولا تحتاج إلى مزيد من اللافتات بقدر ما تحتاج إلى نتائج يشعر بها المواطن.
المواطن يجب أن يكون المستفيد الأول من أي مبادرة تُرفع باسمه، لا أن يصبح هو المنتج الذي يتم تسويقه، ولا الرقم الذي تُبنى عليه الشعبية، ولا الوسيلة التي تُستخدم لجمع الاشتراكات وصناعة النفوذ. فإذا غابت الفائدة الحقيقية عن المواطن، فقدت الشعارات معناها مهما كانت براقة وجذابة.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا: هل الهدف من بعض هذه الكيانات والمبادرات هو خدمة المواطن بالفعل، أم صناعة جمهور وتوسيع نفوذ وبناء مصالح؟ الإجابة لا تكمن في عدد الأعضاء أو المتابعين، وإنما في حجم الأثر الحقيقي الذي يعود على المواطن والمجتمع، وهذا ما نورثه للأجيال الصاعده...
