📁 آخر الأخبار

الهلع موتٌ مؤجَّل حين تُحاكِم الروح نفسها


 الهلع موتٌ مؤجَّل حين تُحاكِم الروح نفسها 

بقلم: نور خالد أبو عمر

هو موتٌ صغير يتكرر في سراديب الوعي، يسرق من الإنسان يقينه بالحياة ويتركه أسير خوفٍ لا يراه أحد.

هناك أرواحٌ لا يقتلها السيف ولا المرض ولا الحوادث، بل تموت كل يوم ألف مرة وهي لا تزال تتنفس.

يجلس صاحبها بين الناس فيراه الجميع هادئًا، بينما في داخله إعصارٌ يصرخ بلا صوت، قلبٌ يقفز كطائرٍ مذعور داخل قفصٍ ضيق، أنفاسٌ تتسارع حتى يظن أن الهواء قد هجر الدنيا، الأرض تدور كرحى تطحنه بلا رحمة، جسدٌ يبرد ثم يشتعل، أطرافٌ ترتجف كأغصانٍ في ريحٍ عاتية، وعيونٌ تحدق في الوجوه باحثةً عن نجدةٍ لا يعرف كيف يطلبها، مقتنعًا أن هذه اللحظة هي النهاية وأن الموت يقف على بعد خطوة واحدة منه.

في تلك الدقائق لا يعود العقل عقلًا، بل يتحول إلى قاضٍ جائر يصدر أحكامًا بالإعدام على صاحبه؛ كل خفقةٍ تتحول إلى نذير جلطة، كل شهقةٍ إلى اختناق، كل دوخةٍ إلى سقوطٍ وشيك، وكل إحساسٍ غريب في الصدر يُترجم إلى كارثة لا مفر منها.

ينسحب الإنسان من المكان مسرعًا، يتشبث بأي يد، يبحث عن بابٍ أو مستشفى أو هاتف، ليس لأنه يريد النجاة من خطرٍ حقيقي، بل لأنه يعيش داخل وهمٍ صنعه الخوف حتى صار أشد من الحقيقة نفسها.

ثم تبدأ آثار النوبة تتسلل إلى حياته كلها؛ يخاف السفر، يتجنب الزحام، يعتذر عن المناسبات، يجلس في آخر القاعة قريبًا من المخرج، ويحمل الأدوية وزجاجة الماء وكأنها دروع في معركةٍ لا تنتهي.

ينظر إليه البعض فيتهمه بالمبالغة أو ضعف الإيمان أو قلة التحمل، بينما هو في الحقيقة يقاوم إعصارًا داخليًا لا تراه العيون.

تتأثر علاقاته، ويتبدّل سلوكه، ويصبح أسير مراقبة نبضه وأنفاسه وأفكاره، حتى يفقد متعة أبسط لحظات الحياة خوفًا من زيارة جديدة لذلك الوحش الخفي.

والأشد قسوة أن نوبة الهلع لا تكتفي بإرعاب الجسد، بل تسرق من الإنسان ثقته بنفسه وبالعالم؛ فيظن أن الأماكن آمنة حتى يدخلها، ثم تتحول في لحظة إلى مصائد للموت، ويظن أن الناس سيرونه ضعيفًا أو مجنونًا إذا انهار أمامهم، فيخفي ألمه خلف ابتسامةٍ متعبة.

يعيش بين ثقافةٍ تفسر ما يحدث له بالوهم أو الدلال أو ضعف الشخصية، فيزداد صمته ويشتد شعوره بالوحدة، بينما الحقيقة أنه يخوض حربًا نفسية معقدة بين إشارات الجسد وتأويلات العقل، حربًا لا تُرى لكنها تترك ندوبًا أعمق من أي جرحٍ ظاهر.

إنها تجربة وجودية قاسية، موتٌ مؤجَّل يتكرر كل يوم، يذكّرنا أن الخوف قد يكون أحيانًا أقوى من أي مرض، وأن الإنسان يحتاج إلى فهمٍ واحتواء أكثر من أي حكمٍ أو اتهام.

هي معركة الروح في سراديب الخوف، حيث السجع يترنم بالمعنى، والرمز يضيء الطريق، والإنسان يظل يبحث عن لحظة سلامٍ تُعيد إليه يقين الحياة، وتفتح له نافذةً نحو الأمان.

والهلع ليس ضعفًا ولا وهمًا، بل هو محكمةٌ داخلية تُحاكِم الروح بلا شفقة، وتصدر أحكامًا بالموت المؤجَّل كل يوم، لكن في قلب هذه المحاكمة يظل الأمل شاهدًا صامتًا، يذكّرنا أن الطمأنينة أقوى من الرعد، وأن نور الثقة قادر على هزيمة الظلام، وأن الإنسان مهما ارتجف سيظل يبحث عن فجرٍ ينهض فيه من تحت أنقاض الخوف ليعلن أن الحياة أقوى من الهلع.
تعليقات