📁 آخر الأخبار

جيل Z بين الاتهام والحقيقه

 


جيل Z بين الاتهام والحقيقه

بقلم : نشوى على

هل أخطأنا حين فصلنا التربية عن القيم؟
أتوصف جيل Z بأنه الجيل الأكثر اتصالا بالعالم، والأسرع وصولا إلى المعرفة، والأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا. لكن خلف هذه الصورة المبهرة يبرز سؤال مهم: هل نجحنا فعلا في تربية هذا الجيل، أم اكتفينا بتعليمه؟

خلال السنوات الأخيرة انتشرت مفاهيم كثيرة تحت مسمى التربية الحديثة والتربية الإيجابية، وهي مفاهيم تحمل في جوهرها أهدافا نبيلة تقوم على الاحترام والحوار وفهم احتياجات الأبناء. لكن المشكلة لم تكن في هذه المفاهيم نفسها، بل في طريقة تطبيقها وفهمها لدى البعض.

فقد تصور البعض أن التربية الحديثة تعني إلغاء الحزم، أو تجنب التوجيه المباشر، أو ترك الأبناء يكتشفون كل شيء بأنفسهم دون مرجعية واضحة. ومع الوقت بدأ التركيز ينصب على بناء شخصية قوية وواثقة، بينما تراجع الحديث عن بناء الضمير، وتعزيز القيم، وغرس المسؤولية الأخلاقية والإنسانية.

والحقيقة أن التقدم لا يتعارض مع الأخلاق، والتربية الإيجابية لا تتعارض مع القيم، والانفتاح على العالم لا يتعارض مع الدين. بل إن هذه العناصر كلها تشكل منظومة واحدة لا يمكن فصل جزء منها عن الآخر دون أن يختل التوازن.

فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يعلمه كيف ينجح، بل يحتاج أيضا إلى من يعلمه لماذا ينجح. لا يحتاج فقط إلى مهارات التواصل، بل إلى الرحمة. ولا يحتاج فقط إلى الثقة بالنفس، بل إلى الضمير الذي يوجه هذه الثقة في الطريق الصحيح.

لقد نشأ كثير من أبناء هذا الجيل في عالم سريع الإيقاع، تمتلئ شاشاته بالأخبار والصور والمشاهد المؤثرة. ومع التكرار المستمر أصبح بعضهم أقل تأثرا بما يراه من آلام الآخرين، ليس لأن قلبه قاسى بطبيعته، ولكن لأن الأسرة والمجتمع لم يعودا يمنحان مساحة كافية لتربية المشاعر كما يمنحان مساحة لتطوير المهارات.

إن بناء الإنسان لا يتحقق بالشهادات وحدها، ولا بالتكنولوجيا وحدها، ولا حتى بالحب وحده. بناء الإنسان يحتاج إلى أسرة تدرك أن التربية منظومة متكاملة، وأن الأخلاق والسلوك والقيم والدين ليست إضافات يمكن الاستغناء عنها، بل هي الأساس الذي يمنح كل ما سواه معناه الحقيقي.

ربما لا يكون جيل Z هو المشكلة، بل قد يكون مرآة صادقة لاختياراتنا التربوية خلال العقود الماضية. وإذا أردنا جيلا أكثر توازنا وإنسانية، فعلينا أن نعيد التوازن أولا إلى مفهوم التربية نفسه ، تربية تبني العقل، لكنها لا تنسى القلب، وتفتح أبواب المستقبل، لكنها لا تقطع الجذور.

لسنا في مواجهة جيل سيئ، ولا أمام شباب فقدوا إنسانيتهم كما يظن البعض، بل أمام جيل نشأ في زمن تغيرت فيه المعايير واختلطت فيه المفاهيم. جيل تعلم كيف يحقق النجاح، لكنه لم يتعلم بالقدر نفسه كيف يتعامل مع الألم، وكيف يشعر بالآخر، وكيف يوازن بين حقوقه وواجباته.

الخطر الحقيقي ليس في التكنولوجيا، ولا في التربية الحديثة، بل في فصل التقدم عن القيم، وفصل المعرفة عن الأخلاق، وفصل التربية عن دورها الأصيل في بناء الإنسان.

فحين يصبح الأبناء أكثر اتصالا بالعالم وأقل اتصالا بأسرهم، وحين ننجح في تعليمهم كل شيء إلا معنى الرحمة والمسؤولية والانتماء، فهنا يجب أن نتوقف.

وهنا يدق ناقوس الخطر...

ليس خوفا على جيل Z وحده، بل خوفا على مجتمع قد يمتلك أحدث الوسائل، وأعلى الشهادات، وأكبر قدر من المعرفة، لكنه يفقد شيئا فشيئا القدرة على الشعور، والتعاطف، والتمييز بين ما هو صحيح وما هو خطأ.

فالأمم لا تسقط عندما تتأخر في التكنولوجيا، بل عندما تضعف منظومة القيم التي تحفظ إنسانيتها.
تعليقات