📁 آخر الأخبار

مر كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه

 


مر كأن لم يدعنا إلى ضرٍّ مسه

بقلم : د : عبدالله حسن الحجازى

حين ينسى الإنسان المعروف... بين طبيعة النفس وهداية القرآن

قال الله تعالى:

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(سورة يونس: الآية 12).

هذه الآية الكريمة ترسم صورة دقيقة لطبيعة موجودة في بعض البشر، فحين تضيق بهم الدنيا، وتشتد عليهم الكروب، يرفعون أكف الضراعة إلى الله، ويكثرون من الدعاء، ويعدون ربهم بالطاعة والاستقامة، فإذا كشف الله عنهم البلاء، عاد بعضهم إلى ما كانوا عليه، وكأنهم لم يعرفوا طريق الدعاء يومًا.

وإذا كان بعض الناس يفعلون ذلك مع خالقهم سبحانه، وهو صاحب الفضل والنعمة، فلا عجب أن تجد هذه الصفة نفسها في تعامل بعض البشر مع من أحسن إليهم.

كم من إنسان قدم معروفًا، أو وقف بجوار محتاج، أو أنقذ شخصًا من أزمة، ثم فوجئ بعد سنوات بأن ذلك الإنسان يعامله وكأنه غريب، أو يتظاهر بأنه لم ير منه خيرًا قط.

إنها طبيعة بشرية حذر منها القرآن، لكنها ليست صفة كل الناس، بل هي من صفات النفوس التي ضعفت فيها قيم الوفاء والاعتراف بالجميل.

لماذا ينسى بعض الناس المعروف؟

1. لأنهم اعتادوا النعمة، فأصبحت في نظرهم أمرًا طبيعيًا.

2. لأن المصلحة عندهم هي أساس العلاقات، فإذا انتهت المصلحة انتهى الود.

3. لأن الكبر يمنعهم من الاعتراف بفضل الآخرين.

4. لأن بعض الشخصيات لا تتذكر إلا ما لها، وتنسى ما عليها.

5. لأن الأنانية تجعل الإنسان يرى نفسه صاحب الفضل دائمًا.

6. لأن ضعف الإيمان يقلل من قيمة الوفاء ورد الجميل.

صور من الواقع

1. صديق لم يجد من يقف بجواره وقت الشدة إلا صديقًا واحدًا، فلما انفرجت أزمته تركه، وكأنه لم يعرفه يومًا.

2. موظف ساعد زميله حتى تعلم العمل وترقى، ثم أصبح يتعامل معه بتكبر، بل وربما حاربه.

3. قريب تكفل أحد أفراد عائلته بعلاجه ونفقاته، فلما أغناه الله نسي كل ذلك.

4. ابن سهر والداه على تربيته وتعليمه سنوات طويلة، فلما كبر لم يعد يسأل عنهما إلا قليلًا.

5. رجل استدان مالًا في ضيق شديد، فلما وسع الله عليه رد المال، لكنه نسي كلمة الشكر.

6. شخص توسط له أحدهم في وظيفة أنقذت مستقبله، وبعد أن استقر فيها أصبح يتجنب حتى السلام عليه.

7. زوجة وقفت بجوار زوجها في سنوات الفقر، فلما تحسنت أحواله المادية نسي تلك الأيام.

8. مريض ظل يدعو الله ليل نهار حتى شفاه، ثم عاد إلى الغفلة، وكأن الدعاء لم يخرج يومًا من قلبه.

9. طالب ساعده معلمه حتى نجح وتفوق، ثم إذا لقيه بعد سنوات مر بجواره دون تقدير أو احترام.

10. شخص ظل يطلب الدعاء من الجميع وقت المحنة، فلما زالت شدته نسي الدعاء نفسه، ونسي من دعوا له.

كيف يواجه صاحب المعروف هذا الجحود؟

1. اجعل نيتك في كل معروف خالصة لله، وليس انتظارًا لرد الجميل.

2. لا تجعل جحود شخص واحد يمنعك من الإحسان إلى الآخرين.

3. لا تذكّر الناس بإحسانك؛ فذلك ينقص أجر المعروف.

4. تعلم أن الوفاء رزق، وليس كل الناس يرزقونه.

5. ضع المعروف في موضعه، فليس كل إنسان يستحق الثقة نفسها.

6. سامح إن استطعت، لكن لا تكرر الخطأ مع من ثبت جحوده.

7. تذكر دائمًا أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولو نسي الناس جميعًا.

رسالة اخيرة

من علامات النضج النفسي أن تتعامل مع الناس وفق مبادئك، لا وفق ردود أفعالهم. فصاحب الرسالة لا ينتظر التصفيق، وصاحب الأخلاق لا يغيرها لأن الآخرين أساؤوا إليه.

لا تجعل قيمة إحسانك مرتبطة بشكر الناس، بل اجعلها مرتبطة برضا الله. فمن عمل لله ربح، ولو خسر تقدير البشر، ومن عمل لأجل الناس تعب؛ لأن رضاهم غاية لا تُدرك.

الخاتمة

إن قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَىٰ ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ ليس وصفًا لأمة مضت، بل هو تحذير لكل إنسان أن يراجع نفسه، فلا ينسى فضل الله عليه، ولا ينسى فضل الناس الذين وقفوا بجانبه.

فكن من أهل الوفاء، فإن الكريم يحفظ المعروف ولو بعد عشرات السنين، أما اللئيم فينساه بمجرد انتهاء حاجته.

واعلم أن المعروف لا يضيع عند الله، وإن ضاع في ذاكرة البشر، وأن أعظم المكافآت ليست كلمة "شكرًا"، وإنما رضا الله سبحانه وتعالى، وهو خير وأبقى.

تعليقات