عندما ينتصر الفراق على الحب
بقلم م/ ياسر أبو الغيط
لم أكن يوماً ذلك الإنسان القاسي الذي يستحق أن يكون جزاؤه حكماً نهائيّاً بالرحيل. ولم أكن من القلوب التي يُقابَل حبُّها بالذبح. ولا من الأرواح التي يكون نصيبها البتر بعد الوصال. لم أتخيل يوماً أن يصبح الفراق قراراً لا رجعة فيه. وكأن كل ما جمعنا قد تبخر في لحظة. وكأن العمر الذي اقتسمناه معاً لم يكن سوى سطرٍ عابرٍ في كتاب النسيان.
وحتى الآن. لا أدري إن كان قرارك عقاباً لي. أم عقاباً لك. أم أنه العقاب الأكبر الذي أنزلناه نحن الاثنان على قلبينا. لا أعلم أكان انتصاراً للعناد. أم محاولةً للأخذ بثأرٍ قديم. أم هروباً من مواجهة حقيقةٍ كانت تستحق منا مزيداً من الصبر. وقليلاً من الرحمة.
يا سيدتي. أقسم لك أنني لم أعد أعرف من منا القاتل. ومن منا القتيل. ولا من الظالم. ومن المظلوم. لقد اختلطت الأوجاع حتى فقدت أسماءها. وتداخلت الجراح حتى أصبح الألم وطناً يسكننا معاً. ولم يعد في استطاعتي أن أُصدر حكماً. لأنني أرى كلينا خاسراً في معركةٍ لم يكن ينبغي لها أن تبدأ.
أنا رجلٌ أثقلته عقدُه النفسية. وأرهقه حرمانٌ قديمٌ ما زالت جذوره تمتد في أعماق روحه. أحمل داخلي خوفاً لا ينتهي. وتردداً يربكني عند كل خطوة. ووحدةً صاحبتني سنواتٍ طويلةً حتى أصبحت جزءاً من ملامحي. عرفت اليأس قبل أن أعرف الطمأنينة. ولامست الاكتئاب قبل أن تلامسني السعادة. ولم أكن أبحث عن المستحيل. بل كنت أبحث عن أشياءٍ بسيطة يراها الناس عابرة. بينما كانت بالنسبة إليَّ حياةً كاملةً.
كنت أحتاج إلى حضنٍ يطمئن روحي. وإلى ذراعين يحتضنان خوفي. وإلى لمسةِ يدٍ حانيةٍ تخبرني أن العالم ما زال بخير. كنت أحتاج إلى نظرةٍ دافئةٍ. وابتسامةٍ صادقةٍ. وقبلةٍ عابرةٍ. وكلمةٍ صغيرةٍ تقول لي. «اطمئن. أنا هنا». كانت تلك الأشياء البسيطة تكفيني لأواجه الدنيا بأسرها. وكانت وحدها قادرةً على أن تعيد إلى قلبي نبضه كلما أوشك على الانطفاء.
وأعترف لك اليوم، بكل شجاعة. أنني كنت غبياً في كثيرٍ من المواقف. لكنني لم أكن قاسياً. أخطأت لأنني لم أفهمك كما ينبغي. ولم أستطع قراءة ما كان يختبئ خلف صمتك. ولا ترجمة ما كانت تقوله عيناك حين تعجز الكلمات. حاولت أن أفك شيفرة روحك. لكن خبرتي كانت أقل من أن تصل إلى أعماقك. وربما لأنك كنت امرأةً استثنائيةً. عصيةً على التفسير. لا تشبهين أحداً ولا تُقاس مشاعرك بالمقاييس المعتادة.
ولم أستطع أيضاً أن أفتح لك أبواب عالمي كما تمنيت. ذلك العالم الذي يسكنه الخيال. وتتشابك فيه الموهبة مع الألم. وتعيش فيه الأشباح القديمة التي خلَّفتها سنوات الحرمان. كنت أريدك أن تري الإنسان المختبئ خلف ملامحي. لا الرجل الذي أخفى ضعفه خوفاً من أن ينكسر أمام من يحب.
ولهذا. فإن كلماتي اليوم ليست دفاعاً عن نفسي. ولا محاولةً لتبرئة أخطائي. بل هي رجاءٌ صادقٌ. وربما يكون الرجاء الأخير. أتمنى أن يعود إلينا ما كان بيننا. ولكن أكثر نضجاً. وأكثر حباً. وأكثر احتواءً. وأكثر حناناً. وأكثر قدرةً على الغفران. فما زلت أؤمن أن القلوب التي أحبت بصدق تستحق فرصةً أخيرةً. وأن النهايات الجميلة لا يصنعها القدر وحده. بل تصنعها أيضاً القلوب التي تعرف كيف تسامح.
فأنا ما زلت أراك قدري الذي لا أريد الفرار منه. وأؤمن أن مصيرينا قد كُتبا في صفحةٍ واحدةٍ. وأن أجمل الخواتيم هي تلك التي يكتبها قلبان اختارا أن ينتصرا للحب. لا للفراق.
