اقرأ كتاب الكون قبل طي صفحاته
بقلم : د .عبدالله حسن الحجازى
قال الله تعالى:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا
كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
هذه الآية الكريمة ترسم مشهدًا مهيبًا لنهاية هذا الكون، حين تُطوى السماء كما تُطوى صفحات السجل بعد اكتمال ما فيه. وإذا كانت النهاية بهذا الوضوح، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل قرأنا هذا الكتاب المفتوح قبل أن تُطوى صفحاته؟
فالكون ليس مجرد نجوم ومجرات، ولا أرض وجبال وبحار، بل هو معرضٌ مفتوح لآيات الله، ومدرسة كبرى يتعلم فيها الإنسان، وكتابٌ لا تنتهي صفحاته إلا بانتهاء عمر الدنيا.
لقد أمر الله الإنسان بالقراءة منذ أول لحظة نزل فيها الوحي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وكأن الرسالة الأولى للبشرية هي أن الحياة لا تُفهم إلا بالقراءة؛ قراءة الوحي، وقراءة النفس، وقراءة الكون، وقراءة التاريخ.
أولًا: ليست كل عينٍ تقرأ
كثيرون ينظرون، ولكن قليلين يتأملون.
يرى الجميع شروق الشمس، لكن المؤمن يقرأ فيها بداية فرصة جديدة.
ويرى الجميع سقوط المطر، لكن العاقل يقرأ فيه رحمة الله وإحياء الأرض بعد موتها.
ويرى الجميع تعاقب الليل والنهار، لكن صاحب البصيرة يدرك أن عمره ينقص مع كل يوم يمضي.
إن الفرق بين الناجحين وغيرهم ليس في كثرة الأحداث التي يعيشونها، وإنما في طريقة قراءتهم لهذه الأحداث.
ثانيًا: الكون يرسل رسائل كل يوم .
كل موقف تمر به يحمل رسالة.
النجاح يعلمك قيمة الاجتهاد.
الفشل يعلمك أين كان الخلل.
المرض يذكرك بنعمة الصحة.
الفقر يعلمك قيمة الرضا.
الغنى اختبار للأمانة.
موت الأحبة يذكرك بقصر الدنيا.
ولادة طفل جديد تذكرك بأن الحياة مستمرة وأن لكل جيل رسالته.
الحياة لا تتوقف عن التعليم، لكن كثيرًا من الناس يرفضون أن يكونوا طلابًا في هذه المدرسة العظيمة.
ثالثًا: اقرأ قبل أن تحكم
من أكبر أخطاء الإنسان أنه يقرأ السطر الأول ثم يصدر الحكم على الكتاب كله.
كم من محنة كانت بداية نعمة!
وكم من خسارة فتحت أبواب نجاح لم يكن الإنسان يتخيلها!
وكم من تأخير ظنه صاحبه حرمانًا، فإذا به عين الرحمة.
إن القراءة المتأنية للأحداث تمنح الإنسان حكمة لا تمنحها السنوات وحدها.
رابعًا: كيف تربط بين الأحداث
القارئ الواعي لا يعامل الأحداث على أنها جزر منفصلة، بل يربط بين السبب والنتيجة.
يسأل نفسه دائمًا:
لماذا وقع هذا الحدث؟
ماذا يريد الله أن يعلمني؟
ما الخطأ الذي ينبغي ألا أكرره؟
كيف أحول الأزمة إلى فرصة؟
ما السنن التي تحكم هذا الموقف؟
بهذه الأسئلة تتحول الحياة إلى مدرسة، ويتحول الإنسان من مجرد متلقٍ للأحداث إلى قارئ واعٍ لها.
خامسًا: التنمية الحقيقية تبدأ من طريقة التفكير
تتحدث كتب التنمية البشرية كثيرًا عن النجاح، لكن النجاح الحقيقي يبدأ من حسن قراءة الواقع.
فالإنسان الذي يفهم نفسه، ويعرف نقاط قوته وضعفه، ويقرأ الناس بحكمة، ويفهم سنن الله في الكون، يكون أقدر على اتخاذ القرار الصحيح.
ومن هنا فإن التنمية الحقيقية ليست مجرد اكتساب مهارات، بل بناء عقلٍ يتأمل، وقلبٍ يتدبر، ونفسٍ تتعلم من كل تجربة.
سادسًا: القرآن يدعونا إلى قراءة الكون
امتلأ القرآن بدعوات النظر والتفكر:
في السماء.
في الأرض.
في الجبال.
في البحار.
في تعاقب الليل والنهار.
في خلق الإنسان.
وفي مصائر الأمم السابقة.
كل ذلك ليصنع إنسانًا لا يعيش بعينيه فقط، بل ببصيرته أيضًا.
سابعًا: قبل أن تُطوى الصفحة الأخيرة
كما أن لكل كتاب خاتمة، فإن لهذا الكون خاتمة، وسيأتي اليوم الذي تُطوى فيه السماء، وتنتهي رحلة الدنيا، ويقف كل إنسان بين يدي الله بكتاب أعماله.
حينها لن يكون السؤال: كم سنة عشت؟
بل سيكون: ماذا قرأت من آيات الله؟ وماذا تعلمت؟ وماذا عملت بما علمت؟
فالدنيا كتاب، والعمر صفحاته، والأيام سطوره، والأعمال كلماته، والخاتمة هي الصفحة الأخيرة التي لا يمكن تعديلها بعد إغلاقها.
فلنحرص على أن تكون قراءتنا للحياة قراءة واعية، نستخرج منها الحكمة، ونربط أحداثها بسنن الله، ونجعل كل يوم صفحةً جديدة نكتب فيها خيرًا، قبل أن يأتي اليوم الذي تُطوى فيه صفحات الكون، ويُغلق كتاب العمر إلى الأبد.
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾... إنها ليست نهاية الكون فحسب، بل تذكير لكل إنسان أن يقرأ كتاب الحياة جيدًا، قبل أن يصل إلى الصفحة الأخيرة.
