كبرياء الروح سرُّ النجاة الدائمة بقلم :م. ياسر أبو الغيط
ليست كل المعارك التى يخوضها الإنسان تستحق أن يراها الآخرون. فهناك حروبٌ تدور فى أعماق النفس. لا يسمع صليلها أحد. ولا يرى جراحها أحد. ومع ذلك تكون أشد قسوة من أعنف الحروب التى عرفها التاريخ. ولذلك. لا تجعل أحداً يراك منكسراً أو مهزوماً. ولا تمنح أحداً فرصة أن يقرأ هشاشة روحك. أو يلمح إرتعاشة إرادتك. أو يشعر بأن الأيام قد إستطاعت أن تنتزع منك هيبتك. فبعض البشر لا يواسيك إذا سقطت، وإنما يراقب سقوطك ليطمئن أنه ما زال واقفاً.
إذا أصابتك طعنة. فلا تضيع عمرك فى تعداد الجراح. ولا تُشغل قلبك بلعن الظلام. ضع يدك على موضع الألم. وأوقف نزيف روحك. ثم إنهض وأكمل طريقك فى صمت. لكن لا تخرج من التجربة كما دخلتها. بل ٱخرج منها أكثر وعياً. وأشد بصيرة. وأعمق فهماً للنفوس. فكل طعنة تحمل فى باطنها درساً. وكل خذلان يكشف لك حقيقةً كانت تخفى وجهها خلف قناع المحبة. وإعلم أن أخطر الأعداء ليس من أعلن عداوته. بل من أخفاها حتى إطمأننت إليه. ثم غرس خنجره فى ظهرك.
وإذا داهمتك المحن. فلا تجعل دموعك حديث المجالس. وإحتفظ بأحزانك فى خزائن قلبك. وبين يدى الله وحده. فليس كل من سمع شكواك سيحمل عنك همك. وليس كل من رقَّ لك صادق المشاعر. فالنفوس تختلف. فمنها الرحيم. ومنها الشامت. ومنها من يتغذى على رؤية إنكسار الآخرين. لذلك. إبتسم فى وجه الحياة. لا لأنك خالٍ من الألم. ولكن لأنك أكبر من أن تجعل أوجاعك سلعةً يتداولها الناس.
وتسلح بالقوة. لا بقوة الإدعاء. وإنما بقوة الثقة. فإذا ضاق بك الرزق. فلا تجعل الفقر يسكن روحك. وإذا أرهقك المرض. فلا تسمح له أن يهزم عزيمتك. وإذا تكاثرت عليك الأحزان. فلا تمنحها حق السيطرة على قلبك. فالدنيا لا تثبت على حال. والغنى يعقبه فقر. والفقر قد يعقبه غنى. والصحة يعقبها مرض. والمرض قد يتبعه شفاء. والفرح لا يدوم. كما أن الحزن لا يبقى. وإنما الباقى هو الإنسان الذى يحسن الوقوف فى جميع الأحوال. فلا ترفعه النعم إلى الغرور. ولا تسقطه المصائب فى اليأس.
إجعل ثقتك بالله أصلاً لا يتزعزع. وأيقن أن من إستند إلى الله فلن تسقطه الدنيا مهما إشتدت عواصفها. وارض بقضائه. فإن الرضا لا يغير الأقدار. لكنه يغير القلب الذى يستقبلها. وكن كالأرض الراسخة. تحمل فى جوفها البراكين الملتهبة. ومع ذلك تبقى ثابتة. وتمنح الناس الحياة والزرع والخير. فلا تُظهر إضطرابك مع كل أزمة. ولا تجعل كل ريح تعصف بثباتك. فالعظمة ليست فى غياب الألم. وإنما فى حسن السيطرة عليه.
ولا تظنن أن هذا دعوة إلى النفاق. أو إلى إرتداء الأقنعة. فالفارق كبير بين الزيف والثبات. فالمنافق يخفى حقيقته ليخدع الناس. أما الإنسان القوى فيخفى ألمه حتى لا يمنح أحداً سلطاناً على كرامته. إنه لا يكذب. ولا يتصنع. وإنما يحفظ هيبته. ويصون عزته. ويمنع الآخرين من إستغلال لحظات ضعفه.
حارب فى معارك الحياة بما تملك. ولو لم يكن بين يديك إلا سيفٌ من خشب. فقيمة السلاح ليست فيما صُنع منه. وإنما فى اليد التى تحمله. والقلب الذى يقوده. والإرادة التى لا تعرف الإنكسار. واجه الشدائد بصدرٍ مفتوح. وعقلٍ حاضر. وروحٍ جسورة. وإيمانٍ لا تهزه المحن. فالذين يصنعون المجد لم يكونوا دائماً أصحاب الإمكانات الأكبر. وإنما كانوا أصحاب العزائم الأقوى.
وإعلم أن الحياة لا ترحم المستسلمين. إنها تمتحن الإنسان كل يوم. وتضغط على مواطن ضعفه. فإن إستسلم إبتلعته. وإن صبر صنعت منه رجلاً لا تهزه الشدائد. وكذلك الناس. فهم يحترمون من يفرض إحترامه بأخلاقه وثباته. أكثر مما يحترمون من يعيش أسير الشكوى والإنكسار. أما الشفقة. فهى شعور عابر. لا يبنى مكانة. ولا يصنع هيبة. ولا يغير واقعاً.
وإجعل لغضبك ميزاناً من الحكمة. فلا تطلق بركانك عند كل إساءة. ولا تهدر قوتك فى معارك صغيرة. فإن كان العفو أصلح. فاعفُ وأنت قادر. وإن كان الحلم أنفع. فتحلَّ بالحلم حتى تبدو كالملاك فى صفائه. أما إذا بلغت الأمور حداً لا يحتمل السكوت. ولا يصلحه التهاون. فكن كالصاعقة فى قوتها. وكالسيف فى حسـمه. دون ظلم. ولا طيش. ولا إنتقام أعمى.
لا تكن ليناً حتى يُستهان بك. ولا قاسياً حتى ينفر منك الناس. فخير القوة ما تزين بالحكمة. وخير الحزم ما صاحبه العدل. وخير الصمت ما حفظ الكرامة. ودع بينك وبين العالم ستاراً من الوقار. لا يطلع أحد من خلاله على صراعك الداخلى. ولا على البراكين التى تضطرم فى أعماقك. فليست العظمة فى أن تخلو النفس من الجراح. وإنما فى أن تحملها فى صمت. وتمضى فى طريقك شامخ الرأس. ثابت الخطى، مؤمناً بأن الله لا يضيع أجر الصابرين، وأن الكرامة الحقيقية هى أن تنتصر على نفسك قبل أن تنتصر على الدنيا.
