تساؤلاتٌ حارقةٌ في زمنِ الخنوعِ والتبعيةبقلم: نور خالد أبو عمر
حين يغيب الوعي، تُستباح الأوطان وتُغتال الكرامة؛ وما بين شعاراتٍ جوفاء وواقعٍ مأزوم، تنبثق تساؤلاتٌ حارقة تبحث عن جواب.
في وطنٍ زُعِمَ أنه عربي، باتت الكلمات ضبابية خلف ستائر النسيان؛ فغيابُ الوعي الجمعي ليس عَرَضًا عابرًا، بل جرحٌ غائرٌ ونزيفٌ مستمرٌّ يفسِّر دهاليزَ التراجعِ الحضاريِّ والتيهَ الذي نكابده.
إنَّ الوعيَ هو الروحُ الساريةُ في جسدِ الأمة، والبوصلةُ التي تخطُّ هويتها؛ غير أننا اليوم نقفُ على ضفافِ انفصالٍ حادٍّ واغترابٍ بين الفردِ والمجموع، يتجلّى في انفصامٍ بين شعاراتِنا وواقعِنا المأزوم، لتنطلقَ تساؤلاتٌ حارقةٌ بقيت معلَّقةً بلا مجيب.
تتجه هذه التساؤلاتُ بمرارةٍ نحو مَن ركبوا موجَ الثوراتِ لمآربهم، والمتواطئين مع الغريبِ المستبيحِ للأرضِ والعِرضِ حين اغتُصبت الأوطان، ومَن هربوا مغتربين تاركين بلادَهم تئنّ، وصولًا إلى مطبّلين ألغَوا عقولَهم في محاريبِ السلاطين بخنوعٍ وتبعيةٍ، ناسين أنَّ الركوعَ لا يكونُ إلا لله، بينما يكنزُ آخرون الأموالَ في غمرةِ جوعِ الأمةِ وضياعِها.
وتتعاظمُ التراجيديا في بنيةٍ تحاصرُ العقلَ بأغلالِها، واختزلت الحياةَ في قوالبَ جامدةٍ، في ظلِّ تعليمٍ يكرّسُ التلقينَ، وإعلامٍ يضخّمُ الشعاراتِ، وخطابٍ دينيٍّ متكلّسٍ يحمي الركودَ؛ فحُرمت الفنونُ، وحورب الإبداعُ، وشُرعن اضطهادُ النساءِ بدعوى أنَّ الظلمَ ابتلاءٌ صامتٌ، والمطالبةَ بالحقوقِ تمردٌ ورياء.
لقد غدونا أمةً تُدجّنُ الأفكارَ، وتطاردُ الفلاسفةَ وتَصِمُهم بالزندقة، تاركةً المواطنَ البسيطَ تائهًا في غياباتِ الجهلِ، يجترُّ عجزَ الأمةِ بلا خيارٍ سوى الاستسلام.
وفي غمرةِ هذا السباتِ، نلوذُ بأمجادِ التاريخِ كمن يحتمي بظلالِ قصرٍ مهدومٍ في هجيرِ الصحراءِ، نفاخرُ ببريقِ أسماءٍ مضت، متسائلين بمرارةٍ: أين ذهب علمُ ابنِ سينا وفلسفةُ المعري؟
إننا أمةٌ انحدرت لأنها توقفت عن القراءة، وعجزت عن إنتاجِ مشروعٍ حضاريٍّ يتنفسُ هواءَ العصر، وحين يستيقظُ الغدُ، ويقفُ أطفالُنا ليسائلونا عمّا كانت أمجادُنا ولماذا غدت أوطانُنا مستباحةً، بماذا سنجيبهم؟
إنَّ أشدَّ نتائجِ هذا الغيابِ قسوةً هو التبلّدُ الوجدانيُّ المخيف؛ فكيف نسينا مآسينا وتناسينا ذكرى صبرا وشاتيلا؟
وها هي فلسطينُ الحبيبةُ تنزفُ والمجازرُ فيها لا تتوقف، بينما نرقبُ المشهدَ بأعينٍ باردةٍ خلف الشاشات؛ نراهم يحرقون الأطفالَ، وينتهكون الحرماتِ، ويقتلون الرجالَ، ولا نفعلُ شيئًا سوى العيشِ كقطيعٍ مستكينٍ يعلّقُ فشلَه على شماعةِ الظروف، في مأساةِ أمةٍ لا تملكُ من أمرِها شيئًا لكنها تتباهى بنيّتها الطيبة.
فمعذرةً يا أمتي إن كنتُ حادَّ اللسان، ووصفْتُ هذا الواقعَ بـ"مجتمعِ التدجينِ والتبعية"، ولكنها الحقيقةُ العاريةُ لأمةٍ غيّبت قيمةَ الإنسان.
ورغم أنَّ هذه التساؤلاتِ تبدو بلا جوابٍ في المدى القريب، فإنَّ الخروجَ من هذا النفقِ ليس مستحيلًا؛ فالفجرُ يتخلّقُ دائمًا من رحمِ الليلِ الأكثرِ سوادًا، لا سيما وأنَّ طريقَنا يبدأ من ثورةٍ معرفيةٍ وثقافيةٍ كبرى تُعيدُ الاعتبارَ للعقلِ النقديِّ الحرّ؛ ثورةٍ تُصلحُ التعليمَ ليكونَ محرابًا للتحليلِ والسؤال، وتخلقُ إعلامًا مسؤولًا يبني، وخطابًا دينيًّا متجدّدًا يكسرُ الجمود، وثقافةً اجتماعيةً تُعزّزُ النقدَ الذاتيَّ وتحرّرُ الروحَ من الخوفِ والركود، فعندها فقط سيبرأُ جسدُ الأمةِ من نزيفِه، وتستعيدُ مكانتَها المسلوبةَ لتواجهَ تحدياتِ العصرِ بجباهٍ لا تنحني إلا لله.
