هل كان الحب كذبة كاملةبقلم المهندس :ياسر أبو الغيط
ليس أقسى على الإنسان من أن يجلس يوماً وحيداً أمام نفسه. فلا يجد مهرباً من أسئلتها. ولا يستطيع الفرار من محاكمتها. ولا يملك إلا أن يفتح جراحه بيديه ثم يظل يتأمل نزفها فى صمت. وهكذا أجلس كل ليلة. أراجع الطريق الذى سرت فيه. وأعود إلى كل خطوة خطوتها بقلب مطمئن. وأسأل نفسى فى حسرة لا تهدأ. كيف مضيت فى هذا الطريق وأنا الذى أقسمت منذ زمن بعيد ألا أجعل قلبى رهينة لأحد. وألا أغامر بمشاعرى مهما كانت الإغراءات. وألا أسمح لعاطفتى أن تقودنى إلى هاوية جديدة بعد أن دفعت من عمرى ثمناً باهظاً لكل خيبة عرفتها.
كنت أريد قلباً سليماً لا يعرف الطعنات. وروحاً هادئة لا تسكنها الهزائم. وأياماً تمضى بلا دموع. ولا إنتظار. ولا إنكسار. لكن القلب الذى يكتب العهود وقت العقل. كثيراً ما ينقضها حين يتكلم الحب. وهكذا سقطت. لا لأننى كنت ضعيفاً. بل لأننى صدقت أن القدر قد جاء أخيراً ليعتذر لى عن كل ما سرقه من عمرى.
إنه سؤال لا يولد من الكلمات. بل يولد من الدم. سؤال يخرج من قلب أنهكه الإنتظار. وأرهقته الخيبات. وأتعبته الظنون التى كشفت له فى لحظة واحدة أنه كان يعيش داخل حلم صنعه بنفسه. وأنه كان يبنى قصوراً من الضباب. ويزرع الورود فوق أرض لا تعرف إلا الأشواك.
هل كانت كاذبة. أم كانت صادقة. أم أن المشاعر نفسها كانت تائهة لا تعرف أين تقف. هل أحبتنى حقاً ثم خافت. أم إقتربت منى لأنها كانت تبحث عن دفء افتقدته سنوات طويلة. أم أننى كنت مجرد محطة مؤقتة إستراحت فيها روحها ثم مضت. هل كان قلبها يخفق باسمى كما كانت تقول. أم أن الكلمات كانت أسهل عليها من الصدق.
هل كانت نظرتها التى كانت تربكنى كاذبة. وهل كانت رعشة يدها حين تلامس يدى تمثيلاً بارعاً. وهل كانت قبلتها التى أعادت إلى قلبى الحياة مجرد لحظة عابرة لا تعنى لها شيئاً. وهل كانت دمعتها التى سقطت أمامى بلا إستئذان دمعة صادقة أم كانت آخر فصول الحكاية التى أتقنت أداءها حتى صدقتها أنا قبل أن تصدقها هى.
هل كانت كاذبة حين همست بأنها تؤمن بى أكثر مما أؤمن بنفسى. وأنها ترى فى داخلى رجلاً لا يشبه الرجال. وأن موهبتى ستسبق إسمى يوماً إلى الناس. وأنها ستكون أول الواقفين خلفى حتى أصل إلى المكان الذى أستحقه. وهل كانت كاذبة حين كانت تطلب منى أن أقرأ عليها ما أكتب. فتستمع وكأنها تستمع إلى نبض قلبها. وكانت تبتسم لكل كلمة. وتفرح لكل فكرة. وتخبرنى أننى سأدهش العالم يوماً.
هل كانت كاذبة حين أعلنت أنها مستعدة أن تحارب الدنيا كلها من أجلى. وأنها لا تخشى الناس ولا الظروف ولا المسافات ما دمت معها. وأنها ترغب أن تمضى معى إلى آخر الدنيا. وأنها ملت من عالم فقد الإحساس. وأنها وجدت معى الحياة التى طالما حلمت بها.
هل كانت كاذبة حين أمسكت يدى بكل هذا اليقين. وقبلتها بكل هذا الشوق. وقالت إننى فارسها الذى جاء متأخراً لكنه جاء فى الوقت الذى كانت روحها تحتضر فيه. وإننى الرجل الوحيد الذى جعلها تشعر بأنها امرأة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وإن الحياة قبلى كانت رماداً. وبعدى أصبحت ربيعاً.
وهل كانت كاذبة حين قالت إننى شمسها التى تبدد عتمتها. وقمرها الذى يؤنس ليلها. ومدارها الذى تدور حوله أحلامها. وإنها إن فقدتنى فلن تجد للحياة طعماً ولا لوناً ولا سبباً للبقاء.
ثم أسأل نفسى السؤال الذى يمزقنى أكثر من كل الأسئلة. ماذا لو أنها لم تكن كاذبة أصلاً. ماذا لو أننى أنا الذى حملت كلماتها أكثر مما تحتمل. وماذا لو أننى أنا الذى حولت الإعجاب إلى عشق. والحنين إلى وعد. والاهتمام إلى حب أبدى. ماذا لو أن الحرمان الطويل جعلنى أرى الجنة فى أول نافذة فُتحت لى. وجعلنى أصدق كل إبتسامة لأنها جاءت إلى قلب طالما بكى فى صمت.
إن الإنسان حين يشتد عطشه قد يرى السراب نهراً. وحين يطول حرمانه قد يظن كل يد تمتد إليه يداً لن تتركه أبداً. لكنه يكتشف متأخراً أن بعض الأيدى خُلقت لتصافح فقط. لا لتبقى. وأن بعض القلوب تعرف كيف توقظ الحب. لكنها لا تعرف كيف تحافظ عليه.
واليوم. لم أعد أبحث عن عودة. ولا أنتظر إعتذاراً. ولا أطمع فى لقاء يعيد ما إنكسر. لقد إنتهت تلك الأحلام مع آخر دمعة سقطت فى قلبى. لكن شيئاً واحداً ما زلت أحتاج إليه. حقيقة واحدة فقط. لأن الحقيقة وحدها قادرة على أن تطفئ هذا الحريق الذى يلتهم روحى كل ليلة.
قولى لى بصدق. بعيداً عن المجاملة. وبعيداً عن الرحمة. وبعيداً عن الخوف. هل كنتِ تكذبين طوال الطريق. أم أننى أنا الذى كذبت على نفسى. وصدقت ما كانت تتمنى روحى أن تصدقه. حتى إذا إستيقظت. وجدت أننى كنت أعشق حلماً... لا إنسانة.
