الوقت فات بعدما ذبلت الأمنيات بقلم م: ياسر أبو الغيط
ليس أصعب على الإنسان من أن يكتشف أن الزمن لم يكن عدوه. بل كان شاهداً صامتاً على أخطائه. فالعمر لا يسرقه مرور الأيام وحده. وإنما تسرقه الكلمات التى خاف أن يقولها. والإعتذارات التى أخجلته كبرياؤه عنها. والمشاعر التى أخفاها حتى ذبلت فى صدره. ثم ماتت دون أن يسمعها أحد.
نولد جميعاً ونحن نظن أن الغد لا ينفد. وأن الأبواب ستظل مفتوحة مهما تأخرنا فى طرقها. وأن القلوب التى أحبتنا ستظل معلقة على نوافذ الإنتظار حتى نقرر العودة إليها. لكن الحقيقة أكثر قسوة. فالحياة لا تنتظر أحداً. والقلوب التى تتعب من الخذلان لا تموت دفعة واحدة. بل تنطفئ كما تنطفئ الشموع. شعلة بعد أخرى. حتى يأتى يوم لا يبقى فيها نور يستحق الإنقاذ.
كم من إنسان خسر عمره لأنه كان ينتظر اللحظة المثالية. ولم يعلم أن أجمل اللحظات هى تلك التى نصنعها بعفويتنا وصدقنا. وكم من عاشق ظن أن الصمت يزيده هيبة. فاكتشف بعد سنوات أن الصمت لم يترك له إلا مقعداً وحيداً فى محطة الذكريات. يراقب منها قطارات العمر وهى ترحل دون أن يعود منها قطار واحد.
إن أكثر الجرائم التى يرتكبها الإنسان فى حق نفسه ليست الكذب. ولا الخيانة. وإنما التأجيل. يؤجل كلمة أحبك. ويؤجل كلمة سامحنى. ويؤجل لقاءً كان يمكن أن يغير مصير قلبين. ثم يؤجل حتى يعتاد الغياب. ويعتاد الفراغ. ويعتاد الندم. فيصبح التأجيل أسلوب حياة. ويصبح الفقد نهاية لا مفر منها.
ولأن الكبرياء كثيراً ما يرتدى ثياب الحكمة. يظنه صاحبه وقاراً. بينما هو فى الحقيقة خوف من الإعتراف. وخوف من الإنكسار. وخوف من أن يبدو الإنسان محتاجاً لمن يحب. فيختار الصمت. ويبتلع الحنين. ويترك الأيام تقوم بالمهمة التى كان يستطيع أن يقوم بها بكلمة واحدة صادقة.
المؤلم أن الذين يرحلون لا يحملون معهم الذكريات فقط. بل يأخذون النسخة التى كنا عليها ونحن بجوارهم. يأخذون ضحكات كانت لا تظهر إلا فى حضورهم. وأحلاماً لم تكن تولد إلا بأصواتهم. ويتركوننا نبحث عن أنفسنا فى أماكن لم تعد تعرف أسماءنا. فنكتشف أن بعض البشر لم يكونوا مجرد أشخاص فى حياتنا. بل كانوا الحياة نفسها.
وحين يعود الحنين بعد سنوات. لا يعود ليعيد ما مضى. وإنما يعود ليحاكم القلب. يفتح دفاتر العمر صفحة بعد صفحة. ويضع أمام الإنسان كل فرصة أهملها. وكل رسالة لم يرسلها. وكل يد إمتنعت عن المصافحة. وكل دمعة كان يستطيع أن يمنعها لو إنتصر قلبه على عناده.
إن الزمن لا يقسو علينا. نحن الذين نقسو على أنفسنا حين نؤجل الحب إلى الغد. ونؤجل الصفح إلى الغد. ونؤجل البوح إلى الغد. ثم نفاجأ بأن الغد جاء. لكنه جاء خالياً ممن كنا نريد أن نحدثهم. فليس كل راحل يبتعد لأنه لم يعد يحب. بل لأن الإنتظار إستنزف آخر ما تبقى داخله من أمل.
ولهذا لا تجعل قلبك سجناً لكبريائك. ولا تجعل لسانك أسيراً لما تسميه عزة النفس. فإن الكلمة الصادقة لا تُنقص صاحبها. والإعتذار النبيل لا يهزم كرامة الإنسان. والحب الذى يُقال فى موعده ينجو من مقصلة الزمن. أما المشاعر التى تصل متأخرة. فهى تشبه باقة ورد توضع فوق قبر. جميلة فى شكلها. لكنها لا تمنح الحياة لمن رحل.
ويبقى الدرس الذى لا يتعلمه كثيرون إلا بعد أن تبيض رؤوسهم. أن العمر ليس بعدد السنوات. وإنما بعدد القلوب التى حافظنا عليها. وعدد الأيدى التى لم نتركها تسقط. وعدد الكلمات التى قلناها فى وقتها. لأن الحياة قد تمنح الإنسان مالاً بعد فقر. وصحة بعد مرض. ونجاحاً بعد فشل. لكنها لا تمنحه أبداً زمناً مضى. ولا تعيد إليه قلباً أغلق أبوابه بعدما أيقن أن الوقت فات بعدما ذبلت الأمنيات.
