مَنْ تكونُ حبيبتى حلمُ العمر بقلم م: ياسر أبو الغيط
أقف كثيراً أمام نفسى. وأسألها سؤالاً يتكرر مع كل مساء. ولا أجد له جواباً كاملاً. من تكون حبيبتى التى ينتظرها قلبى منذ أعوام طويلة. من تكون المرأة التى إذا حضرت هدأت الضوضاء فى روحى. وإستقرت نبضات قلبى. وأصبح للحياة لون آخر لم أعرفه من قبل. لا أبحث عن جمال يلفت الأبصار. فالجمال الحقيقى يسكن الأرواح قبل الوجوه. ولا أبحث عن ثراء يملأ البيوت. بل عن قلب يملأ العمر دفئاً. وعن روح تجعل الأيام أكثر رحمة. وأكثر بهجة. وأكثر إنسانية.
أريد إمرأة إذا إقتربت منى شعرت أننى عدت إلى نفسى بعد غياب طويل. إمرأة تمنحنى الحنان دون أن أطلبه. وتغمرنى بالإهتمام دون أن أستجديه. وتفهم ما تخفيه ملامح وجهى قبل أن تنطق به شفتاى. أريدها أن ترى فى صمتى حديثاً. وفى نظراتى رسالة. وفى تنهيدتى ألف حكاية لم تجد الكلمات طريقها إليها.
أريد امرأة تفيض نوراً فى قلبى إذا أظلمت الأيام. وتكون ظلاً حنوناً إذا أثقلتنى حرارة الحياة. إمرأة إذا إبتسمت شعرت أن الكون كله يبتسم معى. وإذا أمسكت يدى تبددت كل مخاوفى. وكأن الأمان خُلق ليقيم بين أصابعها. أريدها أن تكون الوطن الذى لا أغادره. والسكينة التى لا تفارقنى. والنبض الذى يرافق قلبى حتى آخر العمر.
ولا أريد قلباً فقط. بل أريد عقلاً راقياً يعرف كيف يصنع للحب مكانته. عقلاً يحترم الحوار. ويؤمن بأن الإختلاف لا يقتل المودة. وأن الصراحة أجمل من المجاملة. وأن الثقة هى الجسر الذى تعبر عليه القلوب نحو السعادة. أريد إمرأة تجمع بين رقة المشاعر ورجاحة الفكر. لأن القلب وحده قد يندفع. أما العقل فيحفظ للحب توازنه وجماله.
وأريد قلباً لا يعرف القسوة. قلباً يفيض حناناً كلما شعرت بالتعب. ويقترب منى كلما إبتعد عنى العالم. قلباً يحتوينى إذا إنكسرت. ويبتسم لى إذا ضاقت بى الحياة. ويؤمن أن الرجل. مهما بدا قوياً. يحتاج أحياناً إلى كلمة صادقة. وإلى لمسة حانية. وإلى عينين تقولان له فى صمت. لا تقلق. فأنا هنا.
وأكثر ما أتمناه أن تكون إمرأة تقرأ عيناى رمشاً رمشاً. تدرك فرحتى من بريق نظرتى. وتعرف حزنى من سكونها. وتفهم شوقى من إرتجافها. فما أعجز الكلمات أحياناً عن وصف ما تقوله العيون. وما أندر الإنسان الذى يجيد قراءة تلك اللغة الصامتة. لغة القلوب التى لا تعرف الكذب. ولا تتقن التمثيل.
لا أريدها أن تكون كاملة. فالكمال لله وحده. وإنما أريدها صادقة. وفية. نقية القلب. تحفظ الود. وتصون العشرة. وتؤمن أن الحب الحقيقى لا يقاس بكثرة الهدايا. ولا بطول الرسائل. وإنما يقاس بالمواقف التى يبقى أثرها فى القلب مهما تعاقبت السنوات.
أحلم بامرأة تجعلنى أرى العالم بعين مختلفة. فإذا إبتسمت أشرقت الدنيا فى وجهى. وإذا تحدثت أنصت قلبى قبل أذنى. وإذا غابت شعرت أن شيئاً من روحى قد غاب معها. إمرأة لا تبحث عن رجل بلا أخطاء، بل تبحث عن قلب يستحق أن تمنحه عمرها. كما أبحث أنا عن قلب أستطيع أن أودع فيه كل ما إختزنته روحى من حب ووفاء وإخلاص.
من تكون حبيبتى. لا أعلم. لكننى على يقين بأنها ستأتى يوماً فى الموعد الذى إختاره الله لها. ستأتى دون ضجيج. ودون إستعراض. وستعرفها روحى قبل أن تراها عيناى. سأشعر بها كما تشعر الأرض بأول قطرة مطر بعد طول إنتظار. وكما يشعر المسافر حين يرى أخيراً نور بيته من بعيد. عندها سأدرك أن القلب لم يكن مخطئاً وهو ينتظر. وأن الصبر لم يكن عبثاً. وأن الحب الصادق لا يتأخر إلا ليأتى فى أجمل صورة. وأصدق معنى. وأعمق إحساس.
لهذا ما زلت أسأل نفسى كل ليلة. من تكون حبيبتى. لكن سؤالى اليوم لم يعد يحمل القلق كما كان من قبل. بل يحمل أملاً جميلاً. وإيماناً راسخاً بأن الله يدخر للقلوب الصادقة ما يليق بصدقها. وحين تأتى تلك المرأة. سأعرف أن كل لحظة إنتظار كانت تمهد الطريق إلى أجمل لقاء. وأن كل ما مضى لم يكن إلا رحلة نحو قلب كُتب له أن يكون موطنى الأخير.
