📁 آخر الأخبار

سفرُ الكلمةِ بينَ الأرضِ والسماءِ

 


سفرُ الكلمةِ بينَ الأرضِ والسماءِ

بقلمِ: نورِ خالدِ أبو عمر
الكلمةُ هيَ الفجرُ الذي يُبدِّدُ ظُلمةَ الغيابِ، وهيَ النبعُ الذي يروي عطشَ الأرواحِ في صحراءِ الوجودِ.

بها انطلقتْ أوَّلُ رسائلِ السماءِ لتُعلنَ شرفَ الإنسانِ وكرامتَه: "اقرأْ وربُّكَ الأكرمُ"، فكانَ الوعيُ سفراً مقدَّساً، وكانَ التعلُّمُ طريقاً يُفضي إلى نورٍ لا ينطفئُ.

ومن هذا النورِ يتولَّدُ الصبرُ، ليُعلنَ الوحيُ أنَّ الإنسانَ محفوظٌ في عينِ اللهِ، عينٌ لا تغفلُ ولا تنامُ، تُحيطُه كما يُحيطُ الليلُ نجومَه: "واصبرْ لحكمِ ربِّكَ فإنَّكَ بأعينِنا"، فيستشعرُ الطمأنينةَ تسري في عروقِه كالماءِ الزلالِ، مؤازرةً بصوتِ المعيةِ: "إنَّني معكم أسمعُ وأرى".

وفي هذا الفلكِ الدوّارِ، يُفتحُ بابُ الشكرِ كقانونٍ كونيٍّ يُضاعفُ الخيرَ، إذ نُوديَ في كتابِ الوجودِ: "لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ"، ليعلمَ القلبُ أنَّ الجحودَ انقطاعٌ عن النبعِ الروحيِّ، وأنَّ العقابَ ليسَ إلا انعكاساً لهذا الانفصالِ.

وحينَ تضيقُ الحيلُ البشريَّةُ، يُرفعُ لواءُ التفويضِ العالي: "وأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ"، فيتعلَّمُ الروحُ أنَّ القوَّةَ الحقيقيَّةَ ليستْ في القبضِ بلْ في التسليمِ، وأنَّ الحكمةَ ليستْ في السيطرةِ بلْ في الرضا.

ولأنَّ النفوسَ تضيقُ بطلبِ العيشِ وتخشى تقلُّباتِ الزمانِ، يلتفتُ السالكُ نحوَ الأفقِ الأعلى، متذكِّراً أنَّ الأرضَ ليستْ المصدرَ الوحيدَ، وأنَّ السماءَ هيَ المخزنُ الأكبرُ: "وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ".

ويُختمُ هذا السفرُ الأبديُّ بقسمٍ إلهيٍّ ترتعدُ لهُ القلوبُ:
"فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ"

إنَّهُ سفرٌ أبديٌّ، حيثُ كلُّ آيةٍ نجمةٌ، وكلُّ كلمةٍ كوكبٌ، وكلُّ وعدٍ شمسٌ، وكلُّ وعيدٍ قمرٌ.

والإنسانُ في هذا الفلكِ مسافرٌ يحملُ قلبَهُ كمرآةٍ، يرى فيها انعكاسَ الحقِّ ويسمعُ صدى الوعدِ.

فلتكنْ حياتُنا قصيدةً تُكتبُ تحتَ عينِ اللهِ، وخطواتُنا نغماً في سمعِه، وأرزاقُنا يقيناً في وعدِه، وأرواحُنا جناحاً يُحلِّقُ بينَ الأرضِ والسماءِ، حتّى نصلَ إلى الحقيقةِ الكبرى
.
تعليقات