ويبقى الحنينُ آخرَ وطنٍ للعاشقين بقلم: المهندس. ياسر أبو الغيط
الحبُّ الحقيقى لا يرحل كما يظن الناس. بل يُغيِّر مكانه داخل القلب. قد يغيب صاحبه عن العيون. لكنه يبقى ساكناً فى الذاكرة. وفى التفاصيل الصغيرة التى لا ينتبه إليها أحد. وفى الطرق التى سرنا فيها معاً. وفى الأماكن التى كانت تبتسم كلما التقينا. ثم أصبحت بعد الفراق أكثر صمتاً من الليل. وأكثر إيلاماً من الذكرى نفسها.
هناك قلوبٌ لا تتمنى العودة إلى الماضى. لكنها تتمنى فقط أن يعود إليها ذلك الإحساس الذى كان يجعل الحياة أكثر دفئاً. فليس كل ما نفتقده إنساناً. أحياناً نفتقد النسخة القديمة من أرواحنا. تلك التى كانت تضحك بلا خوف. وتحلم بلا حساب. وتثق بأن الغد يحمل موعداً جديداً مع السعادة.
تمر الأيام. ويتغير كل شىء. إلا بعض المشاعر التى ترفض أن تعترف بانتهاء الحكاية. تبقى ساكنةً فى الأعماق. لا تطلب شيئاً. ولا تنتظر وعداً. لكنها تستيقظ فجأةً أمام لحنٍ قديم. أو رائحة عطرٍ عابرة. أو شارعٍ شهد يوماً ميلاد الحلم. فتعود الذكريات دفعةً واحدةً. وكأن الزمن لم يتحرك خطوةً واحدةً إلى الأمام.
ولأن القلب لا يعرف لغة المنطق. فإنه يظل يبحث فى الوجوه عن ملامح تشبه من أحب. ويقارن بين كل إبتسامة والإبتسامة التى كانت تمنحه الطمأنينة. ويقيس دفءَ كل يدٍ بتلك اليد التى كانت تحتضن روحه قبل أن تمسك أصابعه. ثم يكتشف فى النهاية أن بعض الأشخاص لا يمكن أن يعوضهم أحد. لأنهم لم يكونوا جزءاً من العمر فقط. بل كانوا العمر كله فى مرحلةٍ من مراحل الحياة.
وكم من عاشقٍ أقنع الناس بأنه تجاوز حكايته. بينما كان كل مساءٍ يجلس مع نفسه ليعيد ترتيب الذكريات واحدةً تلو الأخرى. لا لأنه يعشق الألم. بل لأن الذكريات أصبحت آخر ما تبقى له من وطنٍ كان يسكنه ذات يوم. فبعض الأوطان لا تُرسم على الخرائط. وإنما تُبنى داخل القلوب. فإذا رحلت عنها الأرواح. بقيت جدرانها عامرةً بالشوق.
ولذلك فإن الحب الصادق لا يُقاس بطول اللقاء. وإنما بقدرة القلب على الوفاء بعد الغياب. فهناك من يرحلون بأجسادهم. لكنهم يظلون مقيمين فى الدعاء. وفى الأمنيات. وفى كل لحظة صمتٍ يختلى فيها الإنسان بنفسه. فيكتشف أن القلب لا ينسى من منحه يوماً معنى الحياة. وإنما يتعلم فقط كيف يحمل وجعه فى هدوء.
وربما كانت أجملُ قصصِ الحبِّ هى تلك التى يظلُّ بريقُها حياً. حتى وإن لم يكتب لها القدرُ لقاءً جديداً. تعلمنا أن المشاعر الصادقة لا تموت. وأن الزمن قد يُغيِّر ملامح الوجوه. لكنه يعجز عن أن يمحو أثراً تركه حبٌ حقيقى فى قلبٍ عرف يوماً كيف يحب بإخلاص. ولذلك يبقى الحنين أحياناً أجمل من اللقاء. لأنه يحتفظ بصورة الحبيب كما أحببناه. بلا خلاف. ولا فراق. ولا قسوة الأيام.
