📁 آخر الأخبار

هيمنة الإله في تفاصيل الكون

 


هيمنة الإله في تفاصيل الكون

بقلم: نور خالد أبو عمر

في محراب الفكر، حيث يتعانق السؤال مع الوجود، يطلّ الإنسان متأمّلًا بين سراديب الغيب وأروقة الكون الموشّى، باحثًا عن الخالق في أنغام النظام الكوني، متلمّسًا الحقيقة في نبض الأسباب ومسبّباتها.

لقد أوهمته الظنون أن القرب من الله يقتضي الانفصال عن المادة والتشكيك في قوانينها، غير أن جوهر الحقيقة يتجلّى في تفاصيل هذا الكون البديع؛ فالإله ليس غائبًا عن عالمنا، بل إن انتظام الأفلاك، وانسجام القوى، وتوالد الحياة، هي الشهادة الحيّة على هيمنته وحضوره.

وكلما غاص العقل في فكّ الرموز واستكناه الروابط الخفية، ازداد قربًا من نور الحقيقة الإلهية؛ إذ المعرفة الحقّة لا تُبنى على وجلٍ عابر أو معجزةٍ خاطفة، بل على عقلٍ أودعه الله فينا لنرتقي به إلى ملكوته.

والتفكّر في أسرار الطبيعة ليس ترفًا، بل هو استجابة لغاية الوجود؛ فالكون ليس آلةً متحجّرة في فراغٍ بارد، بل هو تجلٍّ حيٌّ لإرادةٍ لا تنقطع، وحركة الكواكب ونمو البذور وانسجام القوى الفيزيائية ما هي إلا أنفاسٌ متجددة لتدبيرٍ إلهي لا يغيب.

ومن هنا، فإن دراسة القوانين وفكّ الرموز تقرّب الإنسان من خالقه بخطواتٍ واثقة؛ فمعرفة النظام الكوني هي عين معرفة الحقيقة، والوصول إليها هو أسمى العبادة وأكملها، تلك التي تتجاوز الطقوس المتحجّرة لتغدو اتصالًا عقليًا وروحيًا بالنظام الكلّي للوجود.

هكذا يتجلّى أن البحث العلمي والتأمل الفلسفي المستنير ليسا نقيضين للإيمان، بل هما جناحاه الأبديان؛ يرفعان الروح إلى مقامٍ أسمى، حيث يقف العقل والقلب معًا في حضرة الخالق، مسبّحين بعظمة سلطانه وإبداعه، متذوّقين حلاوة حضوره، مستشعرين نور هيمنته، حتى يغدو العلم والتأمل صلاةً كونيةً لا تنقطع، وعبادةً عقليةً وروحيةً تتجاوز حدود الطقوس إلى رحاب الحقيقة المطلقة.
تعليقات