قصة تحريم القهوة في مصربقلم : عمرو صلاح الغندقلي
القهوة من مشروبٍ مُتهم إلى أيقونةٍ في الثقافة المصرية.
في صباحٍ هادئ، قد يبدو فنجان القهوة مجرد عادة يومية لا تكتمل إلا بها بداية النهار. لكن قليلين يعلمون أن هذا المشروب البني الداكن كان يومًا ما سببًا في واحدةٍ من أعنف المعارك الفكرية والاجتماعية التي شهدتها مصر في العصر العثماني؛ معركة انقسم فيها العلماء والعامة، وهُوجمت المقاهي، وسالت فيها الدماء، قبل أن ينتصر فنجان القهوة في النهاية، ليصبح رمزًا للضيافة والكرم في كل بيتٍ مصري.
من اليمن إلى الأزهر
بدأت رحلة القهوة من مرتفعات الحبشة (إثيوبيا)، ثم انتقلت إلى اليمن، حيث ازدهرت زراعة البن، وأقبل المتصوفة وطلاب العلم على شربه؛ لأنه يُعين على السهر والذكر والعبادة.
ومع بدايات القرن السادس عشر الميلادي، حمل طلاب اليمن الوافدون إلى الجامع الأزهر معهم هذا المشروب الجديد، فكانوا يشربونه ليلًا أثناء المذاكرة وتلاوة القرآن والأوراد. ولم يمض وقت طويل حتى خرجت القهوة من أروقة الأزهر إلى شوارع القاهرة، وظهرت الحوانيت التي تقدمها، والتي عُرفت فيما بعد باسم المقاهي.
فتوى أشعلت القاهرة
لكن انتشار القهوة لم يمر بهدوء.
ففي عام 980هـ (1572م)، سُئل عدد من كبار فقهاء الأزهر عن حكم شربها، بعدما شاع أمرها بين الناس. فأصدر الشيخ أحمد بن عبد الحق السنباطي فتوى بتحريمها، معتبرًا أنها تُحدث فتورًا في البدن، وقاسها على بعض المواد التي تؤثر في العقل.
وسرعان ما انتشرت الفتوى، وانقسم المجتمع بين مؤيد ومعارض، وتحول الخلاف الفقهي إلى أزمة اجتماعية حقيقية.
المقاهي تحت الهجوم
خرجت مجموعات من المتحمسين إلى شوارع القاهرة، فهاجموا بعض المقاهي، وحطموا أوانيها، وكسروا الكوانين التي كانت تُعد عليها القهوة، واعتدوا على عدد من روادها، بينما دافع تجار البن عن تجارتهم، مؤكدين أن القهوة ليست مسكرًا، وإنما شراب نباتي يمنح النشاط واليقظة.
وتفاقمت الأحداث حتى وقعت اشتباكات بين الطرفين، وازدادت حالة الاحتقان في المدينة.
تدخل الدولة... وانتصار القهوة
أمام تصاعد الأزمة، تدخلت السلطة العثمانية، وأُحيل الأمر إلى القضاء الشرعي.
وتذكر بعض المصادر أن القاضي محيي الدين بن إلياس العيدروسي استعان بعدد من العلماء والأطباء، وطلب منهم شرب القهوة أمامه، ثم راقب آثارها، فلم يظهر عليهم سكرٌ ولا تغيبٌ للعقل، فأجمعوا على أنها مشروب منبِّه لا مسكر.
وعلى إثر ذلك صدر قرار بإباحة شرب القهوة، وأُعيد فتح المقاهي، وانتهى الجدل رسميًا، لتبدأ القهوة رحلة انتشارها الواسع في مصر.
قهوة العزاء... بين التاريخ والرواية
وتتناقل الذاكرة الشعبية المصرية روايةً تقول إن أحد تجار البن قُتل خلال تلك الأحداث، فلجأ رفاقه إلى أحد المساجد، وحين اشتد عليهم البرد والجوع أعدوا القهوة وشربوها سادة، دون سكر، حزنًا على رفيقهم. ومنذ ذلك الوقت ارتبطت القهوة السادة بمجالس العزاء.
ورغم شيوع هذه الرواية، فإن المؤرخين لا يجمعون على صحتها، لكنها ظلت جزءًا من التراث الشعبي المصري.
لماذا سُمِّيت «القهوة التركية»؟
يعتقد كثيرون أن القهوة تركية الأصل، بينما الحقيقة أن البن جاء من الحبشة ثم اليمن.
أما اسم «القهوة التركية»، فالتفسير التاريخي الأشهر أنه يرجع إلى الطريقة العثمانية في إعدادها؛ إذ كان البن يُحمص ويُطحن ناعمًا جدًا، ثم يُغلى في الكنكة ويُقدَّم دون ترشيح، وهي الطريقة التي انتشرت من إسطنبول إلى جميع أنحاء الدولة العثمانية، ومنها مصر.
وفي المقابل، تروي الذاكرة الشعبية المصرية رواية أخرى، مفادها أن المصريين أطلقوا عليها اسم «القهوة التركية» بعد أن حسمت الدولة العثمانية الجدل الدائر حولها، وأرسلت من يفصل في أمرها ويُبيح شربها، فنُسبت إلى الدولة التي أنهت أزمة تحريمها. وهذه الرواية متداولة على نطاق واسع، وإن لم يثبتها المؤرخون بوصفها حقيقةً تاريخية.
انتصار فنجان القهوة
هكذا خرجت القهوة من واحدة من أعنف الأزمات الفكرية في تاريخها، لتتحول من مشروبٍ يثير الريبة إلى جزءٍ لا يتجزأ من الهوية المصرية.
واليوم، سواء احتسيناها سادة في مجلس عزاء، أو مظبوط في لقاء الأصدقاء، أو زيادة مع إشراقة الصباح، فإننا نرتشف مع كل فنجان قصةً عمرها أكثر من أربعة قرون؛ قصةً انتصر فيها الزمن على الجدل، وبقيت القهوة شاهدةً على أن الأفكار الجديدة كثيرًا ما تبدأ متهمة، قبل أن تصبح جزءًا من حياة الناس وتراثهم.
.. دمتم بخير
