غيابُكَ يتركُ للعمرِ صمتاً لا ينتهى بقلم: المهندس. ياسـرأبو الغيط
هناك أشخاصٌ إذا إبتعدوا لا يأخذون معهم حضورهم فقط. بل يأخذون دفءَ العمر كله. ويتركون القلب واقفاً عند آخر لحظةٍ جمعت بين روحين كانتا تظنان أن الطريق واحد. ومنذ أن غاب وجهك عن عينى. لم يعد الزمن كما كان. أصبحت الأيام تمضى بطيئةً كأنها تحمل على كتفيها أثقال السنين. وأصبح الليل أطول مما عرفته من قبل. لا لأن ساعاته قد زادت. بل لأن الشوق جعل الدقيقة الواحدة عمراً كاملاً. وصار الصمت يتحدث أكثر من الكلمات. وصارت الذكريات تزورنى كل مساءٍ دون موعد. تجلس إلى جوارى. وتفتح دفاتر القلب صفحةً بعد صفحة. حتى أكاد أراك أمامى بكل تفاصيلك. فأبتسم لحظةً. ثم أعود إلى وحدتى وكأن شيئاً لم يكن.
إكتشفتُ أن الحب الحقيقى لا ينتهى بالغياب. بل يبدأ إختباره الأصعب بعده. فحين يرحل من نحب. لا يرحل من القلب. وإنما يتحول إلى يقينٍ صامتٍ يُرافقنا فى كل قرار. ويُغير نظرتنا إلى الحياة. فنصبح أكثر إصغاءً للصمت. وأكثر فهماً لوجع الآخرين. وأكثر إيماناً بأن القلب الذى ذاق الحب مرةً لا يعود كما كان أبداً. فالمشاعر الصادقة لا تُغادر أصحابها. وإنما تُعيد تشكيل أرواحهم. وتترك فيها أثراً لا يمحوه الزمن. ولا تُبدده الأيام.
كم مرةً حاولت أن أُقنع نفسى بأن المسافات قادرةٌ على أن تُطفئ هذا اللهيب. وكم مرةً قلت إن الأيام كفيلةٌ بأن تُداوى الجراح. لكننى كنت أكتشف فى كل مرةٍ أن القلب لا يعرف حساب الزمن. فهو لا يقيس الحب بالأيام ولا بالسنين. وإنما يقيسه بصدق اللحظات التى عاشها. ولذلك ظل إسمك يمر بخاطرى كما يمر الضوء فى نافذةٍ مُغلقة. لا يُحدث ضجيجاً. لكنه يكشف كل ما حاولت إخفاءه.
أشتاق إليك بطريقةٍ لا تُشبه أحداً. أشتاق إليك حتى فى اللحظات التى أبدو فيها هادئاً أمام الناس. فليس كل هدوءٍ راحة. وليس كل صمتٍ نسياناً. هناك صمتٌ يختبئ خلفه بحرٌ من الكلمات التى لم تُقل. ولهيبٌ من المشاعر التى عجز اللسان عن وصفها. وأمنياتٌ كانت تتمنى فقط أن يمتد العمر قليلاً فى حضرة من نحب. لكن الأقدار لها حكاياتها التى لا تستأذن القلوب قبل أن تكتب نهاياتها.
ولطالما سألت نفسى. هل يمكن للإنسان أن يعتاد الغياب. وكانت الإجابة تأتينى مع كل صباح. لا. إنما يعتاد أن يُخفى وجعه. ويتقن الإبتسام وهو يحمل فى داخله مدينةً كاملةً من الحنين. ويواصل السير بين الناس بينما روحه تُقيم بعيداً حيث يقيم من أحب. ولذلك تبدو بعض العيون مُرهقةً رغم أنها لم تبكِ أمام أحد. لأن الدموع الحقيقية لا تسكن العيون دائماً. بل تسكن الأعماق.
وربما كان أجمل ما فى الحب الصادق أنه لا يُفسده البعد. ولا تُضعفه المسافات. بل يمنحه بريقاً آخر. بريق الذكرى النقية التى لم تُلوثها المصالح. ولم تُرهقها الحسابات. فيظل القلب وفياً لما أحبه. لا ينتظر مقابلاً. ولا يبحث عن بديل. لأنه يعرف أن بعض الأرواح لا تتكرر. وأن بعض المشاعر إذا وُلدت صادقةً أصبحت جزءاً من العمر نفسه.
وإن سألتنى اليوم ماذا بقى بعد كل هذا الغياب. فسأقول. بقى قلبٌ ما زال يعرف طريقه إليك. وبقيت روحٌ تُؤمن أن الحب الصادق لا يقيس المسافات. ولا يخضع لسلطان الزمن. وبقيت دعوةٌ صامتةٌ تخرج من أعماقى فى كل ليلة. أن يمنح الله هذا القلب سلاماً. سواء جمعته بك الأيام من جديد. أو ظل يحمل حبك فى صمتٍ حتى آخر العمر. فبعض المشاعر خُلقت لتكون نوراً لا ينطفئ. مهما طال الليل. ومهما إشتد الحنين.
