ترنيمة الصخر والروح: ملحمة سانت كاترينبقلم: نور خالد أبو عمر
من قلب سيناء، حيث تتشابك الرمال بالغيم، وتتعانق القمم بالأبد، ينهض اسمٌ يسطع كالنجم في ذاكرة الأرض: سانت كاترين.
ليست مجرد جبل يعلو ولا دير يشيخ، بل هي ملحمة من نور وحجر، من دمٍ سال على مذبح الإيمان، ومن روحٍ صعدت لتسكن في علياء السلام.
هناك، في أقصى الجنوب، تتداخل الأسطورة بالتاريخ، وتتناغم الأصوات بين ترانيم الرهبان وهمس الريح؛ ليبقى المكان شاهداً على خلود الإنسان حين يختار أن يكون قصيدة لا تُمحى.
في محراب الإسكندرية العتيقة، مطلع القرن الرابع الميلادي، تروي الكنيسة قصة فتاة نبيلة تدعى كاترين.
أتقنت الفلسفة واللغات، وواجهت الإمبراطور ماكسيمينوس دايا حين فرض عبادة الأوثان.
تقول الأسطورة إنها حوّلت بمنطقها قلوب الحكماء إلى الإيمان، فغضب السلطان وأمر بقتلها.
وتضيف الرواية أن جسدها انتقل بمعجزة إلى جبل سيناء، غير أن هذا الانتقال يظل في إطار الأسطورة التي تناقلتها الألسنة عبر القرون؛ فلا دليل مادي يثبتها ولا برهان ينفيها، وإنما بقيت رمزاً لإعلاء مقامها في ذاكرة الإيمان.
وهنا تتجاور القمم وتتداخل الحكايات؛ فهناك جبل التجلي الذي ارتبط بقصة موسى حين تجلّى الله للجبل فجعله دكاً، وهناك جبل سانت كاترين الذي حمل أسطورة نقل جسد القديسة إلى قمته.
ولأنهما متجاوران في أرض واحدة، كثيراً ما يختلط الأمر على الناس، فيمزجون بين الأسطورة المسيحية والرمز القرآني، بينما الحقيقة أن لكل جبل قصته الخاصة، ولكل قمة ترنيمتها التي لا تُشبه الأخرى.
هناك، حيث يرتفع الحجر ليناجي السحاب، يربض جبل سانت كاترين كأعلى قمة شاهقة في أرض مصر، بارتفاع يناهز ألفين وستمائة وتسعة وعشرين متراً فوق سطح البحر.
جبل من صخور الجرانيت منذ عصر ما قبل الكمبري، يعاند الزمان ولا ينحني لعوامل التعرية، وفي الشتاء يتوَّج بثلوج ناصعة كأنه عريس يتوشح بياض السماء.
بين شقوقه تنبثق الحياة؛ إذ تحتضن بيئته ما يزيد على أربعمائة نوع نباتي، بينها نباتات طبية نادرة مثل الوردة العربية السينائية وزعتر كاترين البري، وفي فضائه تطير فراشات محلية نادرة، كأنها رسائل صغيرة من الأبد.
وعند أقدام جبل موسى، وفي الوادي المقدس، يقف دير سانت كاترين الذي شُيّد في عهد الإمبراطور جوستنيان الأول في منتصف القرن السادس الميلادي، محصناً بأسوار من الجرانيت تعلو زهاء خمسة عشر متراً، كأنه كبسولة زمنية عبرت قروناً دون أن يمسها لغوب.
في قلبه تنمو شجرة العليقة المقدسة، وفي جدرانه تتلألأ أيقونات القرن السادس وفسيفساء التجلي المصنوعة من الذهب والفضة والزجاج الملون.
مكتبته تحتضن آلاف المخطوطات اليونانية والسريانية والعربية، وتُعد من أثمن مكتبات العالم من حيث القيمة النوعية، أما المخطوطة السينائية الشهيرة فقد غادرت إلى المكتبة البريطانية.
بجوار الكنيسة الكبرى يربض مسجد فاطمي بُني في أوائل القرن الثاني عشر، ليعلن أن المكان مهاد للتسامح المطلق.
وفي عمق الدير يرقد «بيت الجماجم»، حيث تُجمع عظام الرهبان في طقس يذكّر بفناء الجسد وخلود الروح.
وبين هذا المعمار المقدس وتلك الصخور الصمّاء ينبض قلب قبيلة الجبالية؛ أحفاد الجنود الذين أرسلهم جوستنيان لحماية الدير، والذين اندمجوا مع سيناء واعتنقوا الإسلام، لكنهم ظلوا أوفياء لأمانة التاريخ، حراساً للرهبان وأدلاء للتائهين وصوتاً حانياً للجبل.
واليوم، تعزف مصر سيمفونية التجلي الأعظم فوق أرض السلام؛ حيث تُبنى نُزُل بيئية تحتضن الزوار دون تلوث، وتتحرك عربات كهربائية صامتة في الوديان، ليبقى صوت الريح وترانيم الرهبان عند سفح جبل المناجاة، وأصداء السكون فوق قمة كاترين الشاهقة، هي الأصوات الوحيدة التي تملأ المدى، حافرةً اسم كاترين في ذاكرة الأرض كعنوان أبدي للسلام والخلود.
