هذه بضاعتنا رُدَّت إلينابقلم / د : عبدالله حسن الحجازى
ليس كل ما يفعله الإنسان يذهب أدراج الرياح، بل إن الأيام تحتفظ بكل بذرة تُزرع، ثم تعيدها إلى صاحبها في الوقت الذي يقدره الله. ومن هنا جاءت العبارة القرآنية: ﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾، لتذكرنا بأن ما يخرج منا يعود إلينا بصورة أو بأخرى. وكذلك قال الله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
إن الحياة أشبه بحقل واسع، وأعمالنا هي البذور التي نلقيها فيه. فمن زرع الرحمة حصد المحبة، ومن زرع الصدق حصد الثقة، ومن زرع الإحسان وجد من يحسن إليه عند حاجته. أما من زرع الظلم، أو نشر الكراهية، أو آذى الناس بلسانه ويده، فإنه لا يلبث أن يتذوق مرارة ما صنع، وإن طال الزمن.
كم من أبٍ غرس في أبنائه الاحترام وحسن الخلق، فوجدهم سندًا له عند الكِبَر، وكم من أبٍ لم يعرف إلا القسوة والإهانة، فلما ضعف وجد الجفاء الذي ربى أبناءه عليه. إنها ليست مصادفة، وإنما هو الحصاد الطبيعي لما زُرع.
وفي ميدان العمل، قد تجد موظفًا يؤدي واجبه بإخلاص، يساعد زملاءه ولا يخون الأمانة، فتفتح له القلوب قبل الأبواب، ويبارك الله له في رزقه. وعلى النقيض، قد يتسلق آخر على أكتاف الناس، ويظلم ويكذب، فيظن أنه انتصر، لكن الأيام تكشف حقيقته، ويخسر احترام الناس وثقتهم.
وفي الأسواق، التاجر الأمين يربح الزبائن قبل الأرباح، لأن الناس تعود إليه وهم مطمئنون. أما الغشاش فقد يربح مرة، لكنه يخسر سمعته، وإذا ضاعت الثقة ضاع معها الرزق.
حتى الكلمات التي ننطق بها هي بذور. فكلمة طيبة قد تداوي قلبًا منكسرًا، وتغير حياة إنسان، بينما كلمة جارحة قد تترك أثرًا لا يمحوه الزمن. لذلك قال النبي ﷺ: "الكلمة الطيبة صدقة."
ومن أعجب صور الحصاد أن الإنسان قد ينسى معروفًا صنعه، ثم يفاجأ بمن يقف إلى جواره وقت الشدة، وقد ينسى ظلمًا ارتكبه، ثم يراه يعود إليه من حيث لا يحتسب. وكأن الحياة تقول له: هذه بضاعتك قد رُدَّت إليك.
وليس معنى ذلك أن كل جزاء يقع فورًا، فبعض الحصاد يتأخر، لكنه لا يضيع عند الله. فقد يكون في الدنيا، وقد يدخره الله للآخرة، حيث العدل الكامل الذي لا يظلم فيه أحد.
فلنحسن اختيار ما نزرع؛ لأننا سنعيش يومًا ما في ظل ما غرسناه بأيدينا. ازرع ابتسامة تجد وجوهًا بشوشة، وازرع عفوًا تجد من يعفو عنك، وازرع خيرًا تحصد خيرًا، واحذر أن تزرع شوكًا ثم تتعجب إذا جرحتك الأشواك.
وفى الخاتمة
إن أعظم استثمار يقوم به الإنسان ليس في المال ولا في العقارات، وإنما في العمل الصالح والأخلاق الحسنة. فكل ما تزرعه اليوم سيعود إليك غدًا، خيرًا كان أو شرًا. ولنجعل شعارنا دائمًا: ازرع خيرًا تحصد خيرًا، فإن الأرض لا تنبت إلا ما أُلقي فيها، والقلوب لا تعطي إلا ما اعتادت عليه، والله لا يضيع أجر المحسنين ولا يترك الظالم بغير حساب.
