الغموض الإنساني... حقٌّ لا ينتهكبقلم: دكتور عبدالله حسن الحجازي
خلق الله الإنسان وجعل له ظاهرًا يراه الناس، وباطنًا لا يعلمه إلا الله. فقد يبتسم الإنسان وهو يحمل في قلبه ألمًا لا يراه أحد، وقد يبدو قويًا وهو يخوض معركة نفسية لا يشعر بها أقرب الناس إليه. ومن هنا كان الغموض جزءًا من الطبيعة الإنسانية، وليس عيبًا ولا دليلًا على الخداع.
لقد أصبح الفضول في عصرنا يتجاوز حدوده الطبيعية، فصار بعض الناس يفتشون في حياة الآخرين، ويتتبعون خصوصياتهم، ويحاولون كشف أسرارهم، وكأن الإنسان كتاب مفتوح يحق للجميع قراءة كل صفحاته. والحقيقة أن هذا السلوك يسبب أذى نفسيًا، ويهدم الثقة بين الناس، ويعتدي على حق أصيل من حقوق الإنسان، وهو حق الخصوصية.
ومن الناحية النفسية، يحتاج كل إنسان إلى مساحة آمنة يحتفظ فيها بمشاعره وأسراره وذكرياته، فليس كل ما يعرف يُقال، وليس كل ما يشعر به الإنسان يجب أن يبوح به. فهناك أسرار لا يخفيها خوفًا من الناس، وإنما حفاظًا على كرامته، أو مراعاةً لمشاعر غيره، أو لأنها صفحة بينه وبين ربه.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يحق لإنسان أن يكشف حقيقة إنسان آخر؟
الجواب أن البشر لا يملكون معرفة الحقائق الكاملة، لأنهم لا يعلمون ما تخفيه الصدور. إنهم يرون الأفعال، ويسمعون الأقوال، أما النيات والسرائر فتبقى في علم الله وحده.
ولذلك وضع الإسلام قاعدة عظيمة تمنع الناس من التسرع في الحكم على الآخرين. فعندما قتل أسامة بن زيد رضي الله عنه رجلًا بعدما نطق بالشهادة، ظنًّا منه أنه قالها خوفًا من القتل، قال له رسول الله ﷺ:
«أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟»
رواه البخاري ومسلم.
وهذا الحديث يؤكد أن الإنسان لم يُؤمر بشق الصدور، ولا بالحكم على النيات، وإنما أُمر بالحكم على الظاهر، وترك السرائر إلى الله سبحانه وتعالى.
كما قال تعالى:
﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ .فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾
[سورة الطارق: 9-10]
أي أن ما تخفيه القلوب سيظهر يوم القيامة، حيث تنكشف الحقائق كاملة أمام الله عز وجل، أما في الدنيا فقد جعل الله للإنسان سترًا، ونهى عن التجسس وتتبع العورات، فقال سبحانه:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾
[سورة الحجرات: 12]
ومن أخطر الأخطاء النفسية والاجتماعية أن يعتقد الإنسان أنه قادر على قراءة العقول، أو تفسير النيات، أو إصدار الأحكام القطعية على الناس من خلال موقف أو كلمة. فحتى علم النفس، على اتساعه، لا يدّعي معرفة ما في القلوب يقينًا، وإنما يعتمد على الملاحظة والتحليل والاحتمال، ويبقى اليقين لله وحده.
إن كشف أسرار الناس، أو تتبع خصوصياتهم، أو نشر ما اؤتمن الإنسان عليه، ليس ذكاءً ولا شجاعة، بل خيانة للأمانة وانتهاك لحرمة الآخرين. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى على التفتيش، وإنما تُبنى على الثقة، والاحترام، وحسن الظن.
وليس المقصود بالغموض أن يعيش الإنسان حياة مزدوجة أو يخدع من حوله، وإنما المقصود أن يحتفظ بجزء من خصوصيته التي لا يملك أحد حق اقتحامها. فكما أن لكل بيت بابًا، ولكل خزينة مفتاحًا، فإن لكل إنسان عالمًا داخليًا لا يجوز لأحد أن يقتحمه بغير حق.
إن المجتمع الذي يحترم خصوصيات أفراده هو مجتمع أكثر أمنًا وطمأنينة، أما المجتمع الذي يجعل التجسس وتتبع الأسرار وسيلة للمعرفة، فإنه يزرع الشك ويقتل الثقة بين الناس.
وفي الختام، يبقى الغموض الإنساني حقيقة من حقائق الحياة، وهو ليس دعوة إلى الكتمان، ولا مبررًا للخداع، وإنما هو حق مشروع يحفظ للإنسان كرامته وحدوده. فلنحكم على الناس بما يظهر منهم، ولنترك ما خفي إلى الله سبحانه وتعالى، فهو وحده عَلَّامُ الْغُيُوبِ، وهو وحده الذي يعلم السر وأخفى، ويوم القيامة ﴿تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، فتظهر الحقائق كاملة أمام العدل الإلهي، أما نحن فلم نُؤمر بشق الصدور، بل أُمرنا بالعدل، والرحمة، والستر، وحسن الظن.
