إلى أين أخذَكِ الغيابُ يا حبيبتىبقلم: المهندس. يـاسـرأبو الغـيط
أخبرينى يا حبيبتى. أىُّ الدروب أخذتكِ بعيداً عنى. وأىُّ النوافذ تطلين منها الآن على الدنيا. هل تمر نسمة صباح فتتذكرين قلباً كان يفرح لأنكِ تبتسمين. وهل يأتى المساء فيحدثكِ عن رجل ما زال ينتظر من الغياب أن يرحمه. أم أن الأيام أغلقت كل الأبواب التى كانت توصل خطاكِ إلى روحى.
أحاول أن أقنع نفسى أن الأيام قادرة على أن تطفئ الحنين. ثم أكتشف أنها لا تفعل سوى أن تعلمه الصبر. فيصبح أكثر هدوءاً. وأكثر عمقاً. وأكثر قدرة على الإختباء بين الكلمات والنظرات والصمت الطويل. وما أصعب أن يبتسم الإنسان أمام الجميع. بينما يحمل فى داخله حديثاً كاملاً كان يتمنى أن يقوله لشخص واحد فقط.
يا من تسكنين دعواتى دون أن تسمعيها. أخبرينى. أين تأخذكِ الخطوات الآن. ومن يسرق منكِ تلك الضحكة التى كانت تمنح أيامى دفئها. وهل يمر إسمى على خاطركِ كما يمر إسمكِ على قلبى كل يوم دون إستئذان. وهل ما زلتِ تذكرين ذلك القلب الذى كان يقرأ صمتكِ قبل كلماتكِ. ويعرف من عينيكِ ما لا تستطيع الشفاه قوله.
أحياناً أتساءل بينى وبين نفسى. أين أنتِ الآن. ومن يعرف تفاصيلكِ الصغيرة كما كنت أعرفها. ومن يلاحظ تغير نبرة صوتكِ عندما يحزنكِ شىء. ومن يستطيع أن يفهم تلك النظرة التى تخفين خلفها ألف حكاية. أتمنى لو يصلنى منكِ خبر بسيط يطمئن قلبى عليكِ. ليس لأننى أريد أن أستعيد ما مضى. ولكن لأن بعض الأشخاص يصبح الإطمئنان عليهم نوعاً من الراحة لا يعرفها إلا من أحب بصدق.
أجلس أحياناً أصغى إلى الصمت. فأجده أكثر ضجيجاً من كل الأصوات. يعيد إلى ذاكرتى ضحكة كانت تجعل العمر أخف من غمامة ربيعية. ونظرة من عينيكِ كانت تكفينى عن كل كلام الدنيا. ثم أمد يدى إلى الفراغ. فلا أصافح إلا الإشتياق.
كم تمنيت أن أعرف ما الذى تقولينه عنى الآن. هل ما زالت هناك زاوية صغيرة فى ذاكرتكِ تحتفظ بأيامنا الجميلة. أم أن الحياة أخذتكِ إلى طريق جديد لا يحمل من حكايتنا إلا أثراً بعيداً. هل تذكرين الحكايات التى لم نكملها. والأحلام التى تركناها معلقة بين الأمل والإنتظار. أم أنكِ أخفيتِ كل ذلك فى مكان لا يصل إليه أحد. حتى لا يراكِ الحنين وأنتِ تحاولين أن تكونى قوية.
لا أريد منكِ وعداً. ولا أبحث عن عتاب قديم. كل ما أريده أن أعرف أن ما كان بيننا لم يكن لحظة عابرة مرت ثم رحلت. أريد أن أعرف أن قلبكِ إحتفظ ولو بذكرى صغيرة لرجل أحبكِ كما أنتِ. بكل تفاصيلكِ. بكل صمتكِ. بكل الأشياء التى لم ينتبه إليها أحد سواى.
ولأن الحب الصادق لا يعرف الضجيج. فإنه يكتفى أحياناً بالإنتظار. لا ينتظر عودة الأيام. ولا ينتظر إعتذاراً متأخراً. ولكنه ينتظر لحظة يطمئن فيها القلب أن من أحبه كان يشعر به ولو من بعيد. فبعض القلوب لا تطلب الكثير. إنها تكتفى بأن تعرف أنها لم تكن وهماً فى حياة أحد.
وسيبقى فى الروح دائماً مكان لا يجلس عليه إلا من مر فيها بصدق. وسيبقى للشوق لغته التى لا يفهمها إلا من عرف معنى الحب الحقيقى. وما زلت أؤمن أن أجمل الحكايات ليست تلك التى إنتهت. بل تلك التى بقيت حية فى القلب. تضيء لنا الطريق كلما إشتدت عتمة الأيام. لأن بعض الأشخاص لا يغيبون عندما يبتعدون. بل يبقون معنا بطريقة أخرى. فى الدعاء. وفى الذكرى. وفى ذلك السؤال الذى لا يهدأ أبداً. إلى أين أخذكِ الغياب يا حبيبتى.
