📁 آخر الأخبار

كيف تَكسِرُ قيْد نظراتِ الناسِ إِلَيْكَ

 


كيف تَكسِرُ قيْد نظراتِ الناسِ إِلَيْكَ

بقلم: المهندس. يـاسـرأبوالغــيط

الجزء الأول. من سلسلة مقالات. عن كيف تَكسِرُ قيد نظراتِ الناس إليكَ.
منذ أن يفتح الإنسان عينيه على الدنيا. يبدأ فى بناء صورةٍ عن نفسه. لكن المؤسف أن هذه الصورة لا يرسمها وحده. بل تشارك فيها كلمات الآخرين. ونظراتهم. وأحكامهم. ومدحهم. وذمهم. ومع مرور الأعوام. تتحول تلك الأحكام إلى مرآةٍ ينظر إليها كلَّ يوم. حتى ينسى أنَّ المرآة قد تخطئ. وأنَّ الحقيقة لا تسكن الزجاج. بل تسكن النفس.

ولذلك. لا يعيش كثيرٌ من الناس حياتهم كما يريدون. وإنما كما يظنون أنَّ الآخرين يريدونها. فيختار أحدهم تخصُّصاً لا يحبه. لأنه يخشى أن يُقال إنه فشل فى دخول غيره. ويعمل آخر فى وظيفة تستنزف روحه. لأنه يخاف أن يتركها فيسمع كلمات السخرية. وقد تحبس فتاة موهبتها. أو يكتم شاب حلمه. لأنهما يخافان من سؤالٍ عابر. أو تعليقٍ عابر. أو إبتسامةٍ ساخرة لا تعيش أكثر من لحظات. بينما يبقى أثرها فى القلب سنواتٍ طويلة.

وهكذا. يصبح الخوف من كلام الناس سجناً لا جدران له. سجناً يحمل الإنسان مفاتيحه بيده. لكنه لا يجرؤ على فتح الباب.

والغريب أنَّ معظم الذين نخاف أحكامهم منشغلون بأنفسهم أكثر مما نظن. لكلِّ واحدٍ منهم همومه. وأخطاؤه. وأحلامه المؤجلة. ومخاوفه التى لا يعلنها. لكنَّ العقل الخائف يصنع منهم هيئةً ضخمة. ويمنح آراءهم سلطةً ليست لهم. ثم يقف أمامها خاشعاً. وكأنهم يملكون مفاتيح النجاح أو الفشل.

إنَّ الإنسان الذى يعيش أسيراً لنظرات الآخرين يفقد شيئاً فشيئاً صوته الداخلى. ومع الوقت. يصبح عاجزاً عن التمييز بين ما يريده هو. وما يريده الناس منه. فيتحدث بلسانهم. ويفكر بعقولهم. ويؤجل أحلامه حتى يأتى اليوم الذى يكتشف فيه أنه عاش عمراً كاملاً. لكنه لم يعش حياته.

ومن أخطر ما يفعله هذا النوع من الخوف أنه لا يمنعك من السير فقط. بل يقنعك أن الوقوف حكمة. ويصور لك أن التراجع عقلانية. وأن الصمت أمان. وأن دفن الموهبة نوعٌ من التواضع. وهكذا. يختلط الخوف بالحكمة. والجبن بالحذر. حتى يصعب على الإنسان أن يفرق بينهما.

ولعلَّ أكثر ما يؤلم أنَّ التاريخ لا يذكر الذين عاشوا ينتظرون رضا الجميع. فكلُّ صاحب رسالة. وكلُّ مصلح. وكلُّ مبدع. وكلُّ عالم. مرَّ عليه يومٌ سمع فيه السخرية قبل التصفيق. والإستهزاء قبل الإحترام. والرفض قبل الإعتراف بفضله. ولو أنه توقف عند أول كلمةٍ جارحة. لما عرفه أحد. ولما تغيرت حياة إنسان بسببه.

إنَّ الناس لا يجتمعون على رأىٍ واحد. ولن يفعلوا أبداً. فمن يراك شجاعاً. قد يراك آخر متهوراً. ومن يراك متواضعاً. قد يراك غير طموح. ومن يراك صامتاً. قد يظنك ضعيفاً. فهل ستغير نفسك مع كل رأى؟ ولو فعلت. فكم وجهاً ستحتاج لتُرضى الجميع؟

إنَّ أثمن ما يملكه الإنسان ليس أن يحظى بإعجاب الناس. بل أن يحتفظ بإحترامه لنفسه. لأن إحترام الذات يبقى حتى لو إنصرف الجميع. أما التصفيق فلا يلبث أن يخفت. ثم يبحث أصحابه عن شخصٍ آخر يصفقون له أو عليه.

ولذلك. فإن أول خطوةٍ فى هزيمة هذا الخوف ليست أن تجعل الناس يغيرون رأيهم فيك. بل أن تتوقف عن جعل رأيهم هو المقياس الذى تقيس به قيمتك.

(سَنُكمِلُ حديثَنا فى الجزءِ الثانى. إن شاءَ الله.)
تعليقات