📁 آخر الأخبار

الصيام الصارم انسحابٌ من ضجيجِ العال


 الصيام الصارم: انسحابٌ من ضجيجِ العالم

بقلم: نور خالد أبو عمر

في زمنٍ تتكاثرُ فيه الشاشاتُ كالأصنامِ الصغيرة، وتتحوّلُ الأخبارُ إلى نهرٍ هائجٍ لا ينقطع، وتغدو النقاشاتُ والجدالاتُ ساحةً لاستنزافِ الروح، قررتُ أن أخوضَ تجربةً وجوديّةً أقربَ إلى الانتحارِ الرمزي: ثلاثونَ يوماً من الصيامِ الصارم، انسحابٌ متعمَّدٌ من ضجيجِ العالم، وتحرّرٌ من استهلاكٍ خفيٍّ يُنهكُ الجسدَ والعقلَ معاً.

لم يكن الصيامُ عن الهاتفِ والشراءِ سوى البداية؛ وسّعتُ الدائرةَ لتشملَ المسلسلاتِ المتكرّرةَ التي تبتلعُ الوقتَ بلا طَعم، والطعامَ الزّائِدَ الذي يُخدّرُ القلقَ أكثرَ ممّا يُشبعُ الجسد، والتدخينَ والكافيين اللذين يُخفِيانِ تعبَ الروحِ تحتَ دخانٍ أو منبّهٍ زائف.

أغلقتُ أبوابَ الثرثرةِ الفارغة التي تُهدرُ طاقةَ الكلام، وامتنعتُ عن التأجيلِ المزمن الذي يسرقُ العمرَ في انتظارِ اللحظةِ المثالية، وهجرتُ الجدالاتِ العقيمةَ التي كنتُ أظنّها ساحةَ إثباتٍ للذات، لأكتشفَ أنَّ الانصرافَ أحياناً هو أصدقُ أشكالِ القوّة.

وأخيراً، أغلقتُ بوابةَ الألعابِ الإلكترونيّة التي كانت تمنحني انتصاراتٍ رقميّةً زائفة، لأعودَ وأبحثَ عن انتصاراتٍ حقيقيّةٍ في ساحةِ الحياةِ نفسها، ثم انسحبتُ من الأخبارِ اليوميّة التي تُنهكُ الأعصابَ وتزرعُ الخوف، لأكتشفَ أنَّ العالمَ لا ينهارُ إن لم أقرأِ العنوانَ التالي، وأنَّ عالمي الصغيرَ يستحقُّ أن يُرى بصفاءٍ أكبر.

في الأسبوعِ الأوّل، كان الانصرافُ قاسياً؛ يدي تمتدُّ بلا وعيٍ نحوَ جيبي، أسمعُ اهتزازاتٍ وهميّةً لهاتفٍ مغلق، وأفتّشُ عن شاشةٍ أو سيجارةٍ أو جدالٍ يملأُ الفراغ.

لكن مع مرورِ الأيّام، تحوّلَ هذا الفراغُ المرعبُ إلى فسحةِ دهشة: سمعتُ موسيقى الطيورِ بدلَ ضجيجِ التلفاز، تذوّقتُ مشروبي الدافئَ ببطءٍ دون أن أشاركها مع غرباء، قرأتُ كتاباً دون مقاطعةِ إشعارٍ سخيف، وأصغيتُ إلى حديثِ عائلتي بإنصاتٍ كامل.

إنَّ الصيامَ الصارمَ ليس حرماناً بل تحرّراً؛ ليس انصرافاً بل انتصاراً.

ففي كلِّ عادةٍ تُتركُ خلفك يولدُ حضورٌ أعمق، وفي كلِّ فراغٍ يُتركُ بلا امتلاءٍ مصطنع يتفتّحُ وعيٌ أنقى.

الحرّيّةُ الحقيقيّةُ لا تكمنُ في أن نملكَ كلَّ شيءٍ ونُتابعَ كلَّ شيء، بل في أن نجرؤَ على الاستغناءِ عن أيِّ شيء.

هكذا يصبحُ الصيامُ الصارمُ بياناً فلسفيّاً: أنَّ الانتصارَ الأسمى ليس في تراكمِ الأشياء، بل في القدرةِ على الانصرافِ عنها، وأنَّ أصدقَ أشكالِ القوّة ليست في الصراخِ داخلَ الضجيج، بل في الصمتِ الذي يفتحُ أبوابَ النقاء.
تعليقات