📁 آخر الأخبار

تبطينُ الترعِ بينَ الوعودِ والحسابِ والمساءلة


 تبطينُ الترعِ بينَ الوعودِ والحسابِ والمساءلة

 بقلم : المهندس. ياسر أبو الغيط

لا تُقاس قيمة المشروعات القومية بضخامتها. ولا بعدد اللافتات التى تُرفع عند إفتتاحها. ولا بحجم المعدات التى تعمل فى مواقعها. وإنما تُقاس بما تحققه من نتائج حقيقية يشعر بها الوطن والمواطن. فالمليارات التى تُنفق ليست أرقاماً على الورق. بل هى أموال الشعب. ومن حقه أن يرى أثرها فى التنمية والزراعة والإقتصاد.

لقد أعلنت الحكومة أن المشروع القومى لتأهيل وتبطين الترع يستهدف تأهيل نحو عشرين ألف كيلومتر من الترع. بتكلفة إجمالية قُدرت بنحو ثمانين مليار جنيه. كما أوضحت وثائق وزارة التخطيط أن المشروع يهدف إلى رفع كفاءة إدارة المياه وتحسين توزيعها. مع تحقيق وفر مائى وتحسين منظومة الرى.

هذه أرقام رسمية. وهذه أهداف معلنة. لكن بعد مرور سنوات على التنفيذ. يبقى السؤال الذى ينتظر المواطن إجابته بالأرقام لا بالشعارات. أين التقرير الرسمى الذى يوضح ما تحقق من هذه الأهداف. وكم بلغت كمية المياه التى جرى توفيرها فعلياً. وما هو العائد الإقتصادى الذى عاد على الموازنة العامة مقارنة بما أُنفق.

إن مصر تمتلك ما يقرب من ستة ملايين فدان من الأراضى الزراعية. وهذه المساحات الشاسعة تُروى كل موسم. ويتسرب جزء من مياهها طبيعياً إلى باطن الأرض. كما أن أراضى الدلتا معروفة بارتفاع منسوب المياه الجوفية فى كثير من مناطقها. ومن هنا يبرز سؤال علمى مشروع. ما نسبة الفاقد من مياه الترع مقارنة بالفواقد داخل الأراضى الزراعية نفسها. وهل كانت الأولوية الإقتصادية تقتضى إنفاق عشرات المليارات على تبطين الترع. أم كان من الأجدى توجيه جانب من هذه الأموال إلى تحديث نظم الرى الحقلى. أو إستصلاح أراضٍ جديدة. أو دعم الفلاح بوسائل إنتاج أكثر كفاءة.

لا أحد يعترض على تطوير منظومة الرى. بل إن كل مخلص يتمنى ذلك. لكن التطوير الحقيقى لا يكتمل إلا بقياس العائد بعد التنفيذ. فإذا كانت دراسات الجدوى قد وعدت بعوائد محددة. فمن حق المصريين أن يطّلعوا على تقارير رسمية تقارن بين ما وُعد به وما تحقق بالفعل.

ثمانون مليار جنيه رقم ليس هيناً. ولو وُجه جزء معتبر من هذه الإستثمارات إلى إستصلاح مساحات زراعية جديدة. أو إلى التوسع فى نظم الرى الحديث. أو إلى دعم البحث العلمى الزراعى. لكان من المشروع أن نتساءل. أى البدائل كان سيحقق عائداً إقتصادياً وزراعياً أكبر. وهل كانت الأولويات قد وُضعت وفق أعلى عائد ممكن على المال العام.

إن الحكومات القوية لا تخشى المراجعة. بل تعتبرها ركناً أساسياً من الإدارة الرشيدة. فلا يوجد مشروع فوق التقييم. ولا قرار فوق المراجعة. وإذا أثبتت التقارير أن المشروع حقق أهدافه. فذلك نجاح يستحق أن يُعلن بالأرقام. وإذا أثبتت أن العائد جاء أقل من المتوقع. فإن مراجعة التجربة تصبح ضرورة لحماية المال العام وتحسين جودة القرارات المستقبلية.

إن القضية ليست تبطين الترع فى حد ذاته. وإنما حسن إدارة الموارد العامة وترتيب الأولويات. فكل جنيه يُنفق من أموال المواطنين يجب أن يقابله عائد واضح يمكن قياسه. والشفافية لا تُضعف الحكومات، بل تعزز ثقة المواطنين فى مؤسساتها.

ولهذا فإن الأسئلة التى يطرحها المواطن ليست إتهاماً لأحد. وإنما حق أصيل. أين الدراسة التى تقارن بين التكلفة والعائد بعد إنتهاء المشروع. وهل تحقق الوفر الذى أُعلن عنه قبل التنفيذ. وما حجم المياه التى تم توفيرها بالفعل. وهل إنعكس ذلك على الموازنة العامة. أو على الإنتاج الزراعى. أو على دخل الفلاح. وإذا كانت الإجابة نعم. فأين الأرقام المنشورة. وإذا كانت الإجابة لا. فما الدروس المستفادة حتى لا تتكرر التجربة بالطريقة نفسها.

إن المال العام أمانة. والمشروعات القومية مسؤولية. والمراجعة ليست خصومة مع الحكومة. بل ضمانة لنجاحها. فالحكومات تُقاس بقدرتها على تصحيح المسار عندما تقتضى المصلحة ذلك. والأوطان لا تنهض بكثرة الإنفاق وحدها. وإنما بحسن توجيه الإنفاق. وصدق التقييم. ووضوح المحاسبة. وتلك هى الضمانة الحقيقية لبناء مستقبل تُصان فيه الموارد. وتُحفظ فيه حقوق الأجيال القادمة.
تعليقات