العشق الأخير هدية العمر الثمينة
بقلم: م. ياسر أبو الغيط
ليس كل حبٍ يُولد فى مواسم الربيع. فهناك حبٌّ تؤخره الأقدار حتى يخال القلب أن زمن العشق قد إنقضى. وأن أبواب السماء قد أُغلقت فى وجه الأمنيات. وأن العمر قد مضى بما حمل من أفراحٍ قليلة. وأوجاعٍ كثيرة. وخيباتٍ لا تزال آثارها محفورةً فى الوجدان. ثم. وفى لحظةٍ لا تخطر على البال. يأتى القدر حاملاً بين يديه زهرةً أخيرة. لم تنبت إلا بعد أن ذبلت الحدائق كلها. وكأن الله يدخر لبعض القلوب أعظم عطاياه إلى آخر الطريق.
إن الحب الذى يأتى فى نهاية العمر ليس كغيره من ألوان الحب. إنه نفحةٌ من رحمة الله. ومنحةٌ تُمنح لمن صبر طويلاً حتى أوشك أن ينسى هيئة الفرح. يأتى بعدما وهن العظم. وإشتعل الرأس شيباً. وهدأت ضوضاء الشباب. وإنطفأت نزوات البدايات. فلم يبق فى القلب إلا الصدق الخالص. والحنين العارى من الزيف. والشوق الذى تعلّم أن يحترق فى صمت.
ذلك الحب لا يطرق باب القلب بخطوات الصغار. بل يدخل إليه مهيباً كأن فى حضوره وقار السنين. وحكمة التجارب. ودموع الأعوام التى علمت الإنسان كيف يميز بين من يمرون فى حياته. ومن يصبحون حياته كلها.
لقد جاء بعد أن أثقلته الخيبات. وبعد أن مزقته الإنكسارات، وبعد أن ذاق مرارة الفقد. ولوعة الرحيل. وقسوة الإنتظار. وخيانة الوعود. وغدر الأمنيات. جاء بعدما أقنع صاحبه نفسه أن نصيبه من الحب قد إنتهى. وأن ما تبقى من العمر لا يتسع إلا للذكريات. فإذا بالقدر يبتسم إبتسامته الأخيرة. ويقول له. ما تأخر رزقٌ كتبه الله لك. ولكنه جاء فى الموعد الذى يليق بعظمته.
ولذلك يكون هذا الحب شديد الخوف. لأنه يعرف أن الزمن لم يعد كريماً كما كان. وأن الأيام أصبحت تُعد بالأرواح لا بالأرقام. وأن كل لحظةٍ تمضى هى قطعةٌ من العمر لا تعود. فيغدو العاشق حارساً لهذا الحب. لا ينام إلا وهو مطمئن عليه. ولا يستيقظ إلا وقلبه يسأل عنه.
إن الحب فى الكبر يشبه طفلاً جاء بعد عمرٍ طويلٍ من الإنتظار. فيكون أغلى من كل الأبناء. وأقرب إلى القلب من كل الأحلام. تُحاط خطواته بالدعاء. وتُفرش طريقه بالمحبة. وتُرفع عنه كل أسباب الأذى. يخشى عليه العاشق من نسمة حزن. ومن غيمة عابرة. ومن كلمةٍ قد تؤلمه. ومن صدمة هجر. ومن قسوة فراق. لأن قلبه يعلم أن هذا الطفل ليس وليد الجسد. بل وليد الروح التى إنتظرت ميلاده دهراً كاملاً.
فيظل هذا الحب محمولاً على الأعناق. ومضموماً إلى الصدور. ومحفوظاً بين الضلوع كما تُحفظ الجواهر النفيسة فى أعماق الخزائن. إذا اشتكى. تضاعف وجعنا. وإذا بكى. سالت دموعنا قبل دموعه. وإذا أصابه حزن. شعر القلب وكأن سهماً قد إستقر فى أعماقه. فهو لم يعد مجرد إنسانٍ نحبه. بل أصبح نبضاً نسير به. وهواءً نتنفسه. وروحاً لو غابت غابت معها الحياة.
وحين يستقر هذا الحب فى القلب. يستولى على المملكة كلها. فلا يترك للعقل سلطاناً إلا بإذنه. ولا يترك للروح قراراً إلا بموافقته. يصبح الآمر الناهى. والسيد المطاع. فلا نجرؤ على مخالفته. ولا نستطيع أن نحجب عنه كلمة حب. أو لمسة وفاء. أو دعوةً صادقة فى جوف الليل. لأننا نعلم أن كل لحظةٍ تُبخل فيها المشاعر على من نحب قد لا يمنحنا القدر فرصةً أخرى لتعويضها.
فنصبح ملهوفين عليه لهفة الأرض إلى المطر. ولهفة الغريق إلى الشاطئ. ولهفة المسافر الذى أضناه الترحال حتى وجد أخيراً وطنه. نخشى أن يرهقه المرض. أو يخطفه الغياب. أو تمتد إليه يد الفراق. فنعيش ندعو الله فى كل حين أن يحفظه. لأن بقاءه بقاء لأرواحنا. ورحيله إقتلاعٌ لأجمل ما بقي فينا.
وحين يأتى هذا الحب. تتبدل الأمنيات كلها. فلا يعود الإنسان يحلم بقصور الدنيا. ولا بذهبها. ولا بمناصبها. ولا بأمجادها. وإنما يصبح رجاؤه الوحيد أن يمد الله فى عمره قليلاً. لا ليزداد من الدنيا. بل ليزداد من هذا الحب. وأن يرزقه صحةً تعينه على حمايته. وعافيةً تمكّنه من إسعاد من أحب. وأن يجعل أيامه الأخيرة عامرةً بهذا النور الذى أنار قلبه بعد طول ظلام.
إن الحب الذى يأتى متأخراً ليس متأخراً فى ميزان الله. بل هو الحب الذى بلغ صاحبه بعدما نضجت روحه. وتهذبت مشاعره. وإنكسرت كبرياؤه. فعرف أن الحب ليس إمتلاكاً بل إحتواء. وليس كلماتٍ تُقال. بل عمرٌ يُوهب. وليس لقاءً عابراً. بل وطنٌ تسكن إليه الروح حتى آخر نبضة.
فطوبى لمن رزقه الله هذا العشق فى خريف العمر. لأنه لم يمنحه حباً فحسب. بل منحه حياةً جديدة. وقلباً يولد من جديد. وربيعاً أخضر يزهر بين أغصانٍ ظن الناس أنها لن تورق بعد اليوم. وما أجمل أن يختم الإنسان رحلته فى الدنيا بقلبٍ عاشق. لأن النهاية التى تتزين بالحب ليست نهاية. وإنما بداية خلودٍ لا تعرفه إلا الأرواح التى صدقت فى الحب. وأخلصت فى الوفاء.
