لكل داء دواء إلا الهرمبقلم . د: عبدالله حسن الحجازى
قال رسول الله ﷺ: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاءً، علمه من علمه، وجهله من جهله»، وفي رواية: «لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله»، وجاء في حديث آخر استثناء الهرم، أي الشيخوخة الطبيعية التي تضعف فيها قوى الإنسان. ويعد هذا الحديث من أعظم النصوص التي تبعث الأمل في النفوس، وتدفع الإنسان إلى عدم اليأس من رحمة الله، وإلى مواصلة البحث عن العلاج، والأخذ بأسباب الشفاء.
فالرسول ﷺ لم يخبرنا بأن جميع الأدوية معروفة، وإنما بيّن أن منها ما يعلمه الناس، ومنها ما يزال مجهولًا حتى يأذن الله باكتشافه. وهذا ما نراه واقعًا في كل عصر؛ فكم من أمراض كانت تُعد أحكامًا بالموت، ثم فتح الله للعلماء أبوابًا من المعرفة حتى أصبحت تُعالج أو يُسيطر عليها.
لقد كان الجدري يقتل الملايين حتى نجحت اللقاحات في القضاء عليه نهائيًا. وكان السل (الدرن) من أكثر الأمراض فتكًا، ثم أصبح علاجه ممكنًا بفضل المضادات الحيوية. كما تحولت أمراض بكتيرية كثيرة، مثل الالتهاب الرئوي، من أمراض قاتلة إلى أمراض قابلة للعلاج عند التشخيص المبكر.
ومن أعظم الإنجازات الطبية في العصر الحديث اكتشاف أدوية فعالة لمرض التهاب الكبد الوبائي (سي)، حتى أصبحت نسب الشفاء مرتفعة جدًا في كثير من الحالات. وكذلك تطورت علاجات كثير من أنواع السرطان، وأصبح بعضها يُشفى منه تمامًا إذا اكتُشف مبكرًا، بينما يعيش المصابون بأنواع أخرى حياة أطول بفضل العلاجات الحديثة. أما فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز)، فلم يُكتشف له علاج نهائي حتى الآن، لكن الأدوية الحالية مكنت كثيرًا من المرضى من العيش سنوات طويلة بصحة جيدة.
وفي السنوات الأخيرة واجه العالم فيروس كوفيد-19، وظن كثيرون أن البشرية ستقف عاجزة أمامه، لكن الله يسر للعلماء تطوير لقاحات وأدوية خففت من آثاره وأسهمت في إنقاذ ملايين الأرواح، ليبقى الحديث النبوي شاهدًا على أن لكل داء دواء، وإن تأخر اكتشافه.
ومع ذلك، فإن هناك أمراضًا ما زالت الأبحاث مستمرة للوصول إلى علاج شافٍ لها، مثل بعض أنواع الخرف ومرض ألزهايمر، وبعض الأمراض الوراثية النادرة، وأنواع معينة من السرطان. وهذا لا يعني أن العلاج مستحيل، بل إن العلم لا يزال يسير في طريق الاكتشاف، وقد يفتح الله للبشرية أبوابًا جديدة في المستقبل.
واستثناء الهرم من هذا الحديث يحمل معنى عظيمًا؛ فالهرم ليس مرضًا ، بل هو المرحلة الطبيعية التي يمر بها الإنسان عندما يتقدم به العمر. وقد يستطيع الطب أن يخفف بعض آثار الشيخوخة، أو يعالج الأمراض المصاحبة لها، لكنه لا يستطيع أن يوقف الزمن أو يمنح الإنسان شبابًا دائمًا. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم: 54].
والإسلام لا يدعو إلى انتظار المرض، بل يحث على الوقاية قبل العلاج؛ فقد أمر بالنظافة، والاعتدال في الطعام والشراب، وممارسة ما يقوي البدن، ونهى عن كل ما يضر بالصحة. كما دعا إلى مراجعة أهل الاختصاص، وعدم الانسياق وراء الدجل والخرافة أو مدعي العلاج بغير علم.
ومن المهم أن يعلم الإنسان أن الشفاء بيد الله وحده، وأن الطبيب والدواء أسباب سخرها الله لعباده. قال سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾. ولذلك يجمع المؤمن بين الدعاء، والتوكل على الله، والأخذ بالأسباب، فلا ييأس مهما اشتد المرض، ولا يغتر إذا شُفي، بل يحمد الله في جميع أحواله.
إن هذا الحديث النبوي يفتح أمام البشرية باب الرجاء، ويؤكد أن العلم رسالة عظيمة لخدمة الإنسان، وأن البحث الطبي عبادة إذا قصد به نفع الخلق. وما دام الله قد وعد بأن لكل داء دواء، فإن الواجب على العلماء أن يواصلوا البحث، وعلى المرضى ألا يفقدوا الأمل، وعلى الأصحاء أن يحافظوا على نعمة العافية قبل أن تزول.
ويبقى الهرم هو التذكير الدائم بأن الدنيا ليست دار خلود، وأن الشباب والصحة نعمتان ينبغي اغتنامهما في طاعة الله، والعمل الصالح، وخدمة الناس، قبل أن يأتي اليوم الذي يضعف فيه الجسد، ويبقى العمل الصالح هو الزاد الحقيقي للقاء الله تعالى.
