📁 آخر الأخبار

ويبقى الوفاءُ عُمرَ الذكرياتِ كلِّها

 


ويبقى الوفاءُ عُمرَ الذكرياتِ كلِّها

 بقلم : المهندس ياسر أبو الغيط

لم أُفكر يوماً أن أعاتبكِ على الرحيل. فالقلوبُ لا تُؤخذ بالعِتاب. ولا تعود إليها الحياةُ بكثرة الأمنيات. غير أن أكثرَ ما يعتصرُ قلبى أن تُصبح الأيامُ التى أزهرت بيننا حتى حسبناها لا تعرف الذبول. حكايةً يرددها مَن لم يشهد يوماً ميلادَ تلك الزهور.

إن إفترقتِ عنى. فلا تُفارقى نُبلَ ما كان بيننا. دَعى العِشرةَ تبقى كما وُلِدت. صافيةً كقطرةِ ندىً تلألأت على وردةٍ قبل أن تمتدَّ إليها يدُ الريح. فلا تُثقلى الذكرى بمرارة العِتاب. ولا تُلبسى الماضى ما لم يكن فيه. فالحكاياتُ الجميلة لا يهزمها الفراق. وإنما يهزمها الجحود.

أتذكرين تلك الطرقات التى كانت تضيق بالناس. وتتسع لنا؟. لم تكن الأرصفةُ تحفظ وقع خطواتنا فحسب. بل كانت تُخفى بين حجارتها ضحكاتٍ لم يسمعها سوانا. وكانت الأشجارُ تُميل أغصانها فى رفقٍ. كأنها تُبارك لقاءً كانت تعرف أنه سيغدو يوماً ذكرى تُضيء القلب كلما أظلمت به الأيام. وحتى النسيمُ كان يمرُّ بنا خفيفاً. كأنه يخشى أن يُبدد كلمةً خرجت من قلبٍ صادق.

ولم تكن الأماكنُ أجمل من غيرها. وإنما كنا نحن الذين نمنحها جمالها. فالمكانُ لا تُشيِّده الجدران. وإنما تُشيِّده الأرواح التى مرَّت به وهى تحمل فى عيونها دهشة البدايات. ولهذا تبقى بعضُ المقاعد أفخم من العروش. وتبقى بعضُ الأزقة أرحب من الميادين. لأنها إحتفظت بنبض قلبين كانا يظنان أن العمر أطول من الفراق.

فإذا مررتِ هناك يوماً. فلا تُلقى على المكان سلامَ الغريب. ففى كل زاويةٍ منه جزءٌ من ضحكةٍ نسيناها. وفى كل نافذةٍ صدى أمنيةٍ عبرت قلوبنا ذات مساء. وما يزرعه الحبُّ فى الأرض لا تقتلعُه السنون. بل يظلُّ كامناً كالعطر فى أعماق الزهر. لا تراه العين. لكن القلب يعرفه كلما مرَّ به الحنين.

ولا تدعى أحداً يطرق باب ذاكرتنا. فهى ليست أوراقاً يُبعثرها الهواء إذا تبدلت الفصول. إنها حديقةٌ كلما أثقلتنا الحياةُ. عدنا إليها نستظلُّ بأشجارها. ونسمع خرير أيامها. ونلتقط من أزهارها ما يُعين الروح على إحتمال الطريق. وبعضُ الحدائق لا تُغلق أبوابها. لأنها مزروعةٌ فى القلب. لا فى الأرض.

لقد كان بيننا من الصدق ما يجعلنى أؤمن أن المشاعر النبيلة لا تعرف الفناء. قد تُغيِّر الأيامُ ملامح اللقاء. وقد تُباعد بين الخطوات. وقد تصمت الرسائل إلى الأبد. لكن الإحترام يبقى. كالنجم الذى يحجبه السحاب. ولا يطفئه. ويبقى الوفاء. كجذور الشجرة. لا يراها أحد. لكنها تمنح الأغصان سرَّ بقائها.

لا أطلب منكِ وعداً بالعودة. فالقدرُ لا يستأذن أحداً حين يكتب فصوله. ولا أرجو تفسيراً لما مضى. فبعضُ المشاعر أكبر من أن تُحاكمها الكلمات. وكلُّ ما أتمناه أنه إذا مرَّ إسمى على خاطركِ يوماً. فلتبتسمى فى هدوء. وتقولى بينكِ وبين نفسكِ. لقد مرَّ من هنا رجلٌ عرف كيف يُحب. وعرف أيضاً كيف يصون ما أحب.

وإذا مضى كلٌّ منا فى طريقه. فليحمل معه أجملَ ما رآه فى الآخر. وليترك للزمن ما شاء أن يأخذ. فالزمنُ يملك أن يُباعد بين الأيدى. لكنه لا يملك أن ينتزع من القلب ما سكنه بإخلاص.

فالقلوبُ النبيلة لا تُحصى ما فقدته. وإنما تحفظُ فى صمتٍ ما كان جميلاً. وتتركه مع الأيام كما تُتركُ زهرةٌ على نافذةٍ قديمة. قد يرحل عبيرُها مع الفصول. لكن جمالها يظلُّ مُقيماً فى الذاكرة. فبعضُ الزهور لا تعيش فى الحدائق. وإنما تُزهر إلى الأبد فى القلوب.
تعليقات