عندما يفشل الآباء يدفع المجتمع الثمن
بقلم :د . عبدالله حسن الحجازى
لم يعد ما نشاهده في بعض المدارس مجرد تصرفات فردية عابرة، بل أصبح في بعض البيئات ظاهرة تدق ناقوس الخطر. طالب يدخن في سن مبكرة، وآخر يطلق الألفاظ البذيئة بلا حياء، وثالث يرفع صوته على معلمه، ورابع يرى الرقص والحركات المستفزة وسيلة لجذب الانتباه، حتى أصبحت هيبة المدرسة تتراجع أمام سلوكيات لم تكن مألوفة قبل سنوات.
والسؤال الذي يفرض نفسه: من المسؤول؟
قد تتحمل المدرسة جزءًا من المسؤولية، وقد تؤثر وسائل الإعلام ومواقع التواصل والأصدقاء، لكن يبقى البيت هو المدرسة الأولى، والأب والأم هما أول معلمين في حياة الطفل. فالطفل لا يولد سيئًا، وإنما يتشكل بما يراه ويسمعه ويعتاد عليه.
عندما ينشغل الأب عن أبنائه، وتغرق الأم في هاتفها، ويقضي الطفل ساعات طويلة أمام الشاشات دون رقابة، فمن الطبيعي أن يبحث عن قدوة أخرى، وقد يجدها في مؤثر سيئ، أو صديق منحرف، أو مقطع مصور يمجد الانحلال وقلة الأدب.
إن الطفل الذي يسمع والده يسب الناس، سيظن أن السباب أمر طبيعي. والذي يرى العنف داخل المنزل، سيحمله إلى المدرسة. والذي لا يسمع كلمة احترام، لن يعرف كيف يحترم معلمه أو زملاءه.
وليس التدخين عند بعض الطلاب إلا بداية الطريق؛ فهو غالبًا نتيجة ضعف الرقابة، ورفقة السوء، وغياب الحوار الأسري. أما الألفاظ السوقية فهي انعكاس مباشر لما يسمعه الطفل في بيئته أو عبر وسائل التواصل. وارتفاع الأصوات وقلة الأدب ليست قوة شخصية، بل دليل على ضعف التربية والانضباط.
ومن الأخطاء الشائعة أن يظن بعض الآباء أن دورهم ينتهي بتوفير الطعام والملبس والدروس الخصوصية، بينما التربية الحقيقية هي غرس القيم، والمتابعة اليومية، والاحتواء، وتصحيح الخطأ بالحكمة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6].
وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته».
فالأب راعٍ في بيته، والأم راعية في بيت زوجها، وكل منهما مسؤول أمام الله عن الأبناء قبل أن يكون مسؤولًا أمام المجتمع.
أمثلة من الواقع
أب لا يعلم أين يقضي ابنه ساعات المساء، ثم يفاجأ بأنه يدخن.
أم لا تسأل ابنتها عن صديقاتها، ثم تندهش من تغير أخلاقها.
أسرة لا تجتمع على مائدة واحدة ولا تتحاور، فيصبح الهاتف هو المربي الحقيقي للأبناء.
ما العلاج؟
-إعادة الاعتبار لدور الأسرة، فالوقت الذي يقضيه الأبوان مع الأبناء استثمار لا يقل أهمية عن العمل.
-اختيار الصحبة الصالحة، ومتابعة من يصاحبهم الأبناء.
- تقنين استخدام الهواتف والإنترنت، مع معرفة ما يشاهده الأبناء.
غرس الاحترام بالقدوة، فلا يمكن أن يطلب -الأب من ابنه الأدب وهو يسيء للآخرين.
-تفعيل دور المدرسة في التربية إلى جانب التعليم، مع وجود تعاون دائم بين المعلم وولي الأمر.
-دعم الأنشطة الرياضية والثقافية والتطوعية التي تستثمر طاقات الشباب فيما ينفع.
-عدم التهاون مع السلوكيات الخاطئة منذ بدايتها، فالتساهل مع الصغير قد يصنع مشكلة كبيرة في المستقبل.
إن إصلاح الأبناء ليس مسؤولية المدرسة وحدها، ولا الدولة وحدها، بل يبدأ من البيت. فإذا صلح البيت، صلحت المدرسة، وإذا صلحت المدرسة، صلح المجتمع.
فالجيل الذي نراه اليوم هو في كثير من الأحيان مرآة لما غرسناه بالأمس، وما نزرعه اليوم سيحمله الوطن غدًا؛ خيرًا كان أو شرًا.
تعليقات
