📁 آخر الأخبار

اغتيالُ الحدائقِ جريمةٌ بلا عقاب


اغتيالُ الحدائقِ جريمةٌ بلا عقاب

 بقلم: المهندس . ياسر أبو الغيط

هناك دول تُقاس حضارتها بعدد الجسور التى تبنيها. ودول تُقاس بعدد الأبراج التى تشيدها. لكن الدول التى أدركت قيمة الإنسان تقاس أولاً بعدد أشجارها. وإتساع حدائقها. وحجم المساحات الخضراء التى تحفظ لمواطنيها حقهم فى الهواء النقى والجمال والسكينة. فالحديقة العامة ليست ترفاً عمرانياً. وليست قطعة أرض تنتظر من يستثمرها. وإنما هى ضمير المدينة الحى. وإذا مات ضمير المدينة. فلن تنقذه الخرسانة مهما إرتفعت. ولن تجمله الأضواء مهما إزدادت.

لقد كانت الحدائق العامة فى مصر يوماً من أجمل ما تملكه الأحياء السكنية. كانت العائلة البسيطة تنتظر يوم الإجازة كما ينتظر الطفل العيد. يحمل الأب بعض الطعام. وتعد الأم ما تستطيع. ثم ينطلق الجميع إلى الحديقة. لم تكن النزهة تحتاج إلى ميزانية. ولا إلى حسابات. ولا إلى قروض. كانت السعادة مجانية. وكان اللون الأخضر حقاً لكل مواطن. لا إمتيازاً لمن يملك المال.

أما اليوم. فقد تبدلت الصورة بصورة تدعو إلى الأسى. لم تعد الحدائق حدائق كما عرفناها. بل أصبحت فى كثير من الأحيان مشروعات تجارية مغلقة داخل أسوار كانت يوماً مفتوحة للجميع. إختفى المستطيل الأخضر شيئاً فشيئاً. وتقلصت المساحات المزروعة. وإرتفعت بدلاً منها المبانى. والبلاط الخرسانى. والكافيهات. والخيام. وأدخنة الشيشة. حتى أصبح الزائر يشعر أنه دخل سوقاً تجارياً. لا حديقة عامة.

وهنا يفرض سؤال نفسه بقوة. من الذى منح الخرسانة حق الإنتصار على الشجرة. ومن الذى سمح بأن تتحول الرئة الخضراء إلى مصدر للدخان. ومن الذى أقنع المسؤول بأن الإيراد المالى أهم من صحة المواطن. إن هذه الأسئلة لا تبحث عن خصومة مع أحد. لكنها تبحث عن مسؤولية يجب أن يتحملها كل من يملك قراراً تنفيذياً يتعلق بالحدائق العامة.

إن الجهات التنفيذية ليست مسؤولة فقط عن إنشاء الحدائق. بل هى مسؤولة قبل ذلك عن حماية هويتها. وعندما تسمح بتآكل المساحات الخضراء عاماً بعد عام. أو توافق على تغيير طبيعة الحديقة من متنفس شعبى إلى مشروع إستثمارى يغلب عليه الطابع التجارى. فإنها لا تغير شكل المكان فقط. بل تغير فلسفة وجوده. فالحديقة لم تُخلق لتكون مقهى كبيراً. وإنما خُلقت ليجد المواطن فيها ظلاً. وهواءً. وشجرة. ومساحة يركض فيها أطفاله دون أن تحاصرهم الفواتير من كل جانب.

العجيب أن العالم المتقدم يسابق الزمن لزيادة الرقعة الخضراء داخل المدن. فهناك عواصم تزيل المبانى لتزرع مكانها حدائق. وتعيد تأهيل الأراضى المهملة لتصبح متنفساً عاماً. وتخصص مليارات للحفاظ على الأشجار لأنها تدرك أن تكلفة العلاج من التلوث أعلى بكثير من تكلفة زراعة شجرة. بينما نحن. فى كثير من الأحيان. نفعل العكس. نقتطع من المساحات الخضراء لنضيف مزيداً من الخرسانة. ثم نتساءل بعد ذلك عن أسباب إرتفاع درجات الحرارة. وإختناق المدن. وإنتشار التلوث. وتراجع جودة الحياة.

إن الحديقة العامة ليست مجرد منظر جميل. بل هى جهاز تنفس طبيعى للمدينة. تمتص العوادم. وتخفض درجات الحرارة. وتحد من الضوضاء. وتحسن الصحة النفسية. وتمنح الأطفال مساحة للحركة بعيداً عن الشاشات والطرق المزدحمة. وكل متر أخضر نفقده اليوم سندفع ثمنه غداً من صحة المواطن. ومن ميزانية الدولة. ومن مستقبل الأجيال القادمة.

والأكثر إيلاماً أن المواطن البسيط أصبح الغائب الأكبر عن معادلة التطوير. فإذا وجد حديقة جميلة. وجد معها رسوماً مرتفعة لا تناسب دخله. وإذا دخلها. وجد نفسه محاصراً بأسعار المشروبات والخدمات. وكأن قضاء يوم هادئ مع أسرته أصبح رفاهية لا يقدر عليها إلا أصحاب الدخول المرتفعة. فأين يذهب محدود الدخل. وأين يلعب أطفاله. وأين يصنع ذكرياته التى صنعها آباؤنا معنا دون أن يدفعوا أثماناً تثقل كواهلهم.

إن التنمية الحقيقية لا تعنى أن نحول كل شبر إلى مشروع يدر المال. فهناك أشياء لا تُقاس بالعائد المادى. وحق المواطن فى الهواء النقى. والجمال. والراحة النفسية. واحد من هذه الحقوق. والدولة القوية لا تقاس فقط بحجم إيراداتها. وإنما تقاس أيضاً بقدرتها على حماية الحقوق التى لا تباع ولا تشترى.

إننى لا أعارض الإستثمار. بل أرفض أن يتحول الإستثمار إلى مبرر لإغتيال هوية الحدائق العامة. ولا أرفض التطوير. بل أرفض أن يكون التطوير مرادفاً لإختفاء اللون الأخضر. فالتوازن ممكن. والإدارة الواعية قادرة على الجمع بين حسن إستغلال الموارد. والحفاظ على حق المواطن فى متنفسه الطبيعى.

لقد آن الأوان لإعادة النظر فى كل ما أصاب حدائقنا من تشويه. وأن تراجع الجهات التنفيذية كل قرار إنتقص من المساحات الخضراء. وأن يكون معيار النجاح هو عدد الأشجار التى حُمِيت. لا عدد الكافيهات التى أُنشئت. لأن الشجرة التى تُزرع اليوم تمنح الحياة لأجيال. أما المبنى الذى يُقام على أنقاضها فلن يمنح سوى ربح مؤقت. بينما تبقى الخسارة دائمة.

سيأتى يوم لن يسأل فيه التاريخ كم كافيه أُقيم داخل حديقة. ولن يتذكر كم متراً من البلاط حل محل العشب. لكنه سيسأل سؤالاً واحداً. لماذا صمت الجميع بينما كانت آخر رئات المدن تُنتزع أمام أعينهم. وحينها لن تكون الإجابة مجرد كلمات. بل ستكون شهادة على مرحلة إما أن نعيد فيها للحدائق رسالتها الخالدة. وإما أن نواصل إهدار حق المواطن فى الجمال. حتى يصبح اللون الأخضر ذكرى يرويها الآباء لأبنائهم، بعد أن كان واقعاً عاشوه بكل حب.
تعليقات