أيُّ الفقدين يسكن أعماق القلب أكثر بقلم : م. ياسر أبو الغيط
هناك أسئلة لا يجيب عنها العقل مهما أوتى من حكمة. لأنها خُلقت لتسكن القلب لا الفكر. ومن أكثرها قسوة ذلك السؤال الذى يمر على كل عاشق فى لحظة صدق مع نفسه. أيهما أشد ألماً. أن يرحل الإنسان الذى أحببناه بينما يبقى الحب نابضاً فى داخلنا. أم أن يبقى أمام أعيننا كل يوم بينما ترحل مشاعره عنا دون رجعة.
فى الرحيل وجع لا يُنكر. لكنه وجع يترك للروح نافذة تطل منها على الذكريات. فكل الأماكن تصبح شاهدة على قصة كانت يوماً جميلة. وكل الطرق تؤدى إلى لقاءات مضت. وكل لحن يعيد نبضاً ظنناه قد مات. فيعيش القلب على ما تبقى من الضوء. ويستمد من الذكرى قدرة غريبة على مواصلة الحياة. لأن الحب الصادق لا تنهيه المسافات. بل تمنحه أحياناً خلوداً لا تمنحه سنوات القرب.
أما بقاء الإنسان بعد أن ترحل مشاعره. فهو إمتحان لا يحتمله إلا من ذاق مرارة الصمت بين قلبين كانا يوماً يتحدثان دون كلمات. إن أصعب ما يمكن أن يعيشه العاشق ليس الغياب. بل أن يرى ملامح من أحب أمامه بينما يشعر أن روحه أصبحت فى مكان آخر. وأن الكلمات التى كانت تفيض حناناً تحولت إلى عبارات باردة تؤدى بلا إحساس. وأن النظرات التى كانت تمتلئ بالشوق أصبحت تمر عليه كما يمر الغريب على غريب لا يعرفه.
كم هو مؤلم أن تجلس إلى جوار من كان يوماً وطنك. ثم تكتشف أنك أصبحت مجرد عابر فى حياته. تتحدث فلا تجد الإصغاء. وتبتسم فلا تجد الإبتسامة التى كانت تسبقك. وتشتاق فلا تجد قلباً يبادلك الإشتياق. عندها تدرك أن المسافات ليست دائماً بين المدن. بل قد تكون بين قلبين يفصل بينهما مقعد واحد.
إن الحب لا يموت فجأة. بل يذبل بصمت. تبدأ الحكاية بتأجيل كلمة جميلة. ثم بإهمال سؤال صغير. ثم بغياب الإهتمام الذى كان يصنع الفارق. حتى يستيقظ أحد الطرفين ليجد أن العلاقة ما عادت تشبه نفسها. وأن دفء الأمس أصبح برداً لا يعرف كيف يقاومه.
وربما لهذا السبب يكون الفراق الحقيقى هو فراق المشاعر لا فراق الأجساد. لأن الجسد إذا رحل قد يبقى الأمل فى لقاء آخر. أما إذا رحلت المشاعر فلن يبقى إلا شكل العلاقة. وهيكلها الخالى من الحياة. وكأننا نحاول أن نُقنع أنفسنا بأن الوردة ما زالت جميلة بعدما سقطت آخر بتلاتها.
الحب ليس وعداً بالبقاء فقط. بل وعد بأن يظل القلب كما كان يوم إختار قلباً آخر ليسكنه. فإذا تبدلت المشاعر ضاعت كل العهود. وأصبح القرب نوعاً من الوحدة. وأصبح الحديث مجرد كلمات لا تصل إلى الروح. وأصبح الصمت أكثر صدقاً من آلاف العبارات.
ولعل الإنسان يستطيع أن يتجاوز كثيراً من الأحزان. إلا حزناً واحداً يبقى عصياً على النسيان. وهو أن يشعر بأن قلباً كان يوماً يخفق له. أصبح يخفق للحياة بدونه. عندها لا يبكى لأنه فقد إنساناً. بل لأنه فقد المكان الذى كان يظنه أكثر الأماكن أمناً فى هذا العالم.
ويبقى السؤال معلقاً فى نهاية كل قصة حب. أيهما أقسى. أن يغيب من نحب بينما يبقى الحب حيّاً فى أعماقنا. أم أن يبقى أمامنا بينما يموت الحب فى قلبه. وربما تختلف الإجابات. لكن الحقيقة التى لا يختلف عليها عاشقان هى أن الحب لا تؤلمه المسافات بقدر ما يؤلمه تغير القلوب. فالغياب قد تصنعه الظروف. أما رحيل المشاعر فلا يصنعه إلا إنطفاء ذلك النور الذى كان يجعل الحياة أكثر جمالاً.
تعليقات
