📁 آخر الأخبار

الجريمة على صاحبها وحده

 


الجريمة على صاحبها وحده

بقلم . د : عبدالله حسن الحجازى

﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ۚ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79].
هناك مشهد يتكرر في بعض المجتمعات كلما وقعت جريمة قتل: يهرب الجاني، فيبحث أهل المقتول عن أخيه، أو ابن عمه، أو أحد أقاربه، فيقتلون بريئًا لم يشهد الجريمة، ولم يشارك فيها، ولم يرض بها أصلًا. ثم يظن الجميع أن الثأر قد انتهى، فإذا بدم جديد يصرخ مطالبًا بثأر آخر، فتدور عجلة الدماء بلا نهاية، ويصبح الأبرياء وقودًا لجرائم لم يصنعوها.
هذه الصورة ليست من الإسلام في شيء، بل هي من بقايا الجاهلية التي جاء القرآن ليقتلع جذورها، ويؤسس مكانها حضارة العدل والإنصاف.
لقد قرر القرآن قاعدة من أعظم قواعد العدالة الإنسانية، فقال سبحانه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. إنها ليست آية في العقيدة فحسب، بل دستور للحياة، ومعناها أن كل إنسان مسؤول عن عمله وحده، فلا يحمل أحد إثم غيره، ولا يُدان قريب بذنب قريبه، ولا يعاقب بريء بجريمة مذنب.
وجاء التطبيق العملي لهذا المبدأ في قصة يوسف عليه السلام. فعندما وُجد صواع الملك في رحل أخيه، عرض إخوته أن يُؤخذ أحدهم مكانه، لكن يوسف عليه السلام رفض هذا الاقتراح رفضًا قاطعًا، وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ ۚ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾.
تأمل قوله: ﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾. فلو عوقب بريء بدلًا من المذنب، لكان ذلك ظلمًا، ولو رضي الناس به. فالعدل لا يتغير بكثرة المؤيدين، ولا يصبح الظلم عدلًا لأن العادات اعتادت عليه.
لقد كانت الجاهلية إذا قُتل منها رجل، ربما قتلت جماعة كاملة من القبيلة الأخرى، وربما قتلت الشريف بدل الضعيف، والكبير بدل الصغير، حتى تباهت بكثرة الدماء. فجاء الإسلام ليقول: إن الجريمة شخصية، والعقوبة شخصية، والقصاص لا يكون إلا من الجاني نفسه، وبعد حكم القضاء وإقامة البينة.
واليوم ما زالت بعض العقول تعيش تلك الجاهلية، فتقتل الأخ بدل أخيه، أو الابن بدل أبيه، أو القريب لأنه يحمل الاسم نفسه أو ينتمي إلى الأسرة نفسها. فأي عدل في ذلك؟ وأي ذنب اقترفه هذا البريء؟
إن من يقتل بريئًا بحجة الثأر لا يقتص من المجرم، بل يصنع مجرمًا جديدًا، ويضيف إلى سجل المآسي مأساة أخرى، ويورث أبناء القتيل الجديد نارًا جديدة من الكراهية والانتقام، فتستمر السلسلة جيلاً بعد جيل.
وقد قال النبي ﷺ: «لا يجني جانٍ إلا على نفسه»، وهو مبدأ ينسجم مع روح القرآن، فلا يُؤخذ إنسان بذنب غيره، ولا تمتد العقوبة إلى الأبرياء.
ومن روائع الإسلام أنه شرع القصاص ليمنع الفوضى، لا ليشعلها، فقال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. فحين يُقتص من الجاني وحده، تقف سلسلة الدم، ويأمن الناس، ويعلم كل مجرم أن العقوبة ستلحقه هو، لا غيره.
وقفة للتأمل
لو أن كل أسرة ثأرت من بريء، ثم ثأرت الأسرة الأخرى من بريء آخر، فمتى تنتهي الدماء؟ وهل يعود القتيل الأول إلى الحياة؟ أم أن المجتمع كله يصبح ضحية للانتقام؟
إن العدل لا يداوي جرحًا بجرح، ولا يصلح ظلمًا بظلم، وإنما يضع كل مسؤول أمام مسؤوليته، وكل جريمة أمام مرتكبها.
ومن الحكم البليغة :
الجريمة لا تورث، ولكن الثأر يورث الأحقاد.
لا يحمل البريء ذنب المذنب.
من انتقم من بريء فقد صنع جريمة جديدة.
الدماء لا يحفظها إلا العدل.
الانتقام الأعمى يقتل العدالة قبل أن يقتل الإنسان.
إذا غاب العدل حضر الثأر، وإذا حضر العدل مات الثأر.
القرابة ليست تهمة، وإنما التهمة هي الجريمة.
وفي الختام...
لو عمل الناس بآيتين فقط لانطفأت نيران ثارات كثيرة، ولحُفظت أرواح بريئة، ولعاش الناس في أمن وسلام:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾... فلا يحمل أحد ذنب غيره.
﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾... فلا يعاقب إلا من ثبت جرمه.
فإذا التزم المجتمع بهاتين القاعدتين، انتصر العدل، وسقطت الجاهلية، وعلم الناس أن الجريمة على صاحبها وحده، وأن الأبرياء لا يُقتلون لإرضاء عادة، ولا لإشباع غضب، ولا لتحقيق ثأر، لأن الله لا يرضى إلا بالعدل، ولا يأمر إلا بالحق.
تعليقات