يعرفون الدنيا ويجهلون حقيقة الآخرةبقلم . د : عبدالله حسن الحجازى
قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم: 7].
هذه الآية الكريمة تصف حالة تتكرر في كل زمان، بل ربما أصبحت أكثر وضوحًا في عصرنا. فكثير من الناس يمتلكون خبرات واسعة في شؤون الدنيا، يعرفون كيف يربحون المال، وكيف يحققون الشهرة، وكيف يديرون الأعمال، وكيف يستخدمون أحدث التقنيات، وربما يحفظون أدق التفاصيل في تخصصاتهم، لكنهم إذا سُئلوا عن أمور الآخرة، أو عن حقيقة الموت، أو عن الاستعداد للقاء الله، أو عن أحكام دينهم الأساسية، وقفوا حائرين لا يملكون جوابًا.
ليست المشكلة في تعلم أمور الدنيا، فالإسلام يدعو إلى العمل والإتقان وعمارة الأرض، وإنما المشكلة أن تتحول الدنيا إلى الغاية الوحيدة، وأن يصبح الإنسان خبيرًا بكل شيء إلا بما ينجيه عند لقاء ربه.
إن الغفلة لا تأتي فجأة، وإنما تبدأ بخطوات صغيرة: انشغال دائم، وتأجيل للتوبة، وتسويف في الطاعات، وانغماس في وسائل التواصل، حتى يمضي العمر دون أن يشعر الإنسان أنه يقترب كل يوم من الآخرة.
ومن علامات هذه الغفلة أن يعرف الإنسان أخبار الفنانين والرياضيين، ولا يعرف شيئًا عن القرآن، أو يحرص على متابعة الأسواق والأسعار، ولا يحرص على تعلم ما تصح به عبادته، أو يقضي ساعات في تطوير مهاراته المهنية، ولا يخصص دقائق لتطوير علاقته بربه.
لقد أصبح كثيرون يحفظون كلمات الأغاني أكثر من حفظهم لسور القرآن، ويتابعون أخبار المشاهير أكثر من متابعتهم لسيرة النبي ﷺ، ويخططون لتقاعدهم المالي، لكنهم لا يخططون لليوم الذي يقفون فيه بين يدي الله تعالى.
إن الإسلام لا يطلب من المسلم أن يترك الدنيا، وإنما يطلب منه أن يجعلها وسيلة لا غاية، وأن يعمل لها بقدر بقائه فيها، ويعمل للآخرة بقدر بقائه فيها، والآخرة هي دار القرار.
كيف نعالج هذه الغفلة؟
- أن نجعل للقرآن وردًا يوميًا مهما كان قليلًا.
- أن نتعلم من أمور الدين ما تصح به عقيدتنا وعبادتنا.
- أن نتذكر الموت دون يأس، فهو واعظ يوقظ القلوب.
- أن نحاسب أنفسنا كل يوم: ماذا قدمنا لآخرتنا؟
- أن نصاحب الصالحين الذين يذكروننا بالله إذا غفلنا.
- أن نوازن بين النجاح الدنيوي والفوز الأخروي، فلا يطغى أحدهما على الآخر.
إن أعظم خسارة ليست أن يفشل الإنسان في تجارة أو وظيفة، وإنما أن ينجح في الدنيا كلها ثم يكتشف يوم القيامة أنه لم يهيئ لنفسه زادًا ينفعه.
فلنجعل من علوم الدنيا وسيلة لخدمة الدين والناس، ولنتذكر دائمًا أن العمر قصير، وأن الدنيا ممر، وأن الآخرة هي المستقر.
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾... إنها ليست وصفًا لقوم مضوا، بل نداء لكل إنسان أن يراجع أولوياته قبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال ولا جاه ولا منصب، وإنما ينفع قلب سليم وعمل صالح.
