المعرفةُ قِبلةٌ والتقبّل دربُ الحريّةبقلم: نور خالد أبو عمر
المعرفةُ بالذات هي المرآةُ الأولى؛ تلك التي تكشفُ ملامحك الداخلية كما لو أنّها نجومٌ تتلألأ في ليلٍ صامت.
أمّا التقبّل فهو اليدُ التي تمتدّ لتلمس تلك النجوم، لتقول لها: "إنَّكِ جزءٌ منّي، مهما كان بريقُكِ أو عتمتُكِ".
المعرفةُ تُعرّفك بذاتك، بينما التقبّل يعلّمك كيف تُصادقها وكيف تُحاورها بلا قسوة وكيف تُنصتُ لصوتها العميق دون أن تُصدر عليها حكمًا.
حين تعرف نفسك، قد ترى فيها تناقضاتٍ وضعفًا وجراحًا قديمة.
المعرفةُ تُضيء هذه الزوايا، لكنّها وحدها لا تمنحك السلام.
السلامُ يأتي حين تُقرّر أن تُحبّ هذه الزوايا وأن تُعاملها بلطف وأن تقول لها: "أنتِ جزءٌ من رحلتي، ولن أنبذكِ أبدًا".
التقبّل هو فعلُ الرحمة الداخلية؛ أن تُعانق ما تجلّى لك في مرآة المعرفة، لتُحوّل الاكتشاف إلى صداقة، والوعي إلى حضنٍ دافئ.
فالمعرفةُ بلا تقبّل قد تغدو سيفًا يجرحك، تُريك حقيقتك ثم تتركك وحيدًا أمامها.
أمّا التقبّل بلا معرفة فهو عاطفةٌ عمياء، لا تعرف لمن تُوجّه حنانها.
لذلك، لا يكتمل الطريق إلا حين يتعانق الاثنان: أن تعرف وتتقبّل، وأن تُضيء وتُسامح، وأن تُسمّي الأشياء بأسمائها، ثم تمنحها حقّ الوجود بلا إدانة.
وفي لحظة التقبّل، يتحوّل الإنسان إلى صديقٍ لنفسه، لا إلى قاضٍ عليها.
يُصبح قلبه بيتًا واسعًا يسكنه ضعفه وقوته معًا، وخوفه وشجاعته، وحزنه وفرحه.
هناك، في هذا البيت، يتعلّم أن الحياة ليست معركةً ضد ذاته، بل رحلةً معها، وأن أجمل انتصاراته هي أن يُحبّ نفسه كما هي، لا كما يتمنّى أن تكون.
المعرفةُ تُعطيك البوصلة، والتقبّل يمنحك القدرة على السير.
المعرفةُ تُريك الطريق، والتقبّل يُعلّمك أن تخطو عليه بلا وجل.
وبين الاثنين يولد الإنسان الجديد: إنسانٌ يرى ذاته بوضوح ويحتضنها بحنان، فيُصبح أكثر صدقًا وأوفر حريةً وأقرب إلى جوهره العميق.
ذلك هو الفارق بين أن تعرف نفسك وأن تتقبّلها: الأولى تُعرّفك بحقيقتك، والثانية تُعلّمك كيف تُحبّ هذه الحقيقة وكيف تُحوّلها إلى أغنيةٍ تُرافقك في درب الحياة؛ أغنيةٍ لا تنطفئ، لأنّها تنبع من قلبٍ صالحٍ لذاته ومتصالحٍ مع وجوده ومفتوحٍ على رحابة الكون.
تعليقات
