الخوف بين الوهم والواقع وكيف نواجههبقلم : د . عبدالله حسن الحجازى
الخوف شعورٌ إنساني فطري أودعه الله في الإنسان ليحميه من الأخطار، فهو جرس إنذار يدفعه إلى الحذر واتخاذ الأسباب. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الشعور إلى سجنٍ يعيش فيه الإنسان، فيخاف من أحداث لم تقع، ويقلق من مستقبل لم يأتِ، ويستنزف طاقته في معاركٍ تدور داخل عقله أكثر مما تدور في الواقع.
واللافت أن الخوف لا يقتصر على الكبار، بل يرافق الإنسان منذ طفولته. فالطفل قد يخاف من الظلام أو الأصوات أو الانفصال عن والديه، والشاب يخاف من الفشل أو البطالة أو تأخر الزواج، والموظف يخشى فقدان عمله، والأب يخاف على أسرته، والمريض يخشى المرض، وكبار السن يقلقون من الوحدة أو ضعف الصحة. وهكذا يظل الخوف يغيّر صوره، لكنه لا يفارق الإنسان.
لماذا نشعر بالخوف؟
ليست كل المخاوف نابعة من أخطار حقيقية، بل إن كثيرًا منها يصنعه العقل نفسه، ومن أهم أسباب ذلك:
- تضخيم المشكلات قبل وقوعها.
- التفكير المستمر في أسوأ الاحتمالات.
- التجارب المؤلمة السابقة.
- كثرة متابعة الأخبار السلبية.
- ضعف الثقة بالنفس.
- ضعف التوكل على الله والانشغال بالأسباب دون الاعتماد على مسبب الأسباب.
- المقارنة المستمرة بالآخرين.
وقد أثبتت الدراسات النفسية أن نسبة كبيرة من المخاوف التي يعيشها الناس لا تتحقق أصلًا، وأن العقل يميل أحيانًا إلى رسم سيناريوهات متشائمة لا وجود لها إلا في الخيال.
عندما يصبح الخيال أخطر من الواقع :
- كم من طالب عاش ليالي طويلة خوفًا من الرسوب ثم نجح بتفوق!
وكم من موظف ظن أنه سيُفصل من عمله، ثم اكتشف أن الأمر مجرد سوء فهم.
وكم من مريض أقنع نفسه بأنه مصاب بمرض خطير، ثم جاءت الفحوصات مطمئنة.
لقد قال أحد الحكماء:
"لسنا نعاني بسبب الواقع بقدر ما نعاني بسبب تصوراتنا عن الواقع."
إن العقل إذا تُرك بلا ضابط قد يحول الوهم إلى حقيقة في نظر صاحبه.
كيف نواجه المخاوف؟
أولًا: ميّز بين الخوف الحقيقي والخوف الوهمي
اسأل نفسك: هل يوجد دليل حقيقي على ما أخشاه؟ أم أنها مجرد توقعات؟
ثانيًا: واجه ولا تهرب
الهروب يغذي الخوف، أما المواجهة فتضعفه. وكلما واجه الإنسان ما يخشاه بعقل وحكمة، اكتشف أن الأمر أهون مما كان يتصور.
ثالثًا: عش يومك
كثير من الناس يعيشون في مستقبل لم يأتِ بعد، بينما السعادة تُبنى في الحاضر.
رابعًا: استعد وخذ بالأسباب
إذا كنت تخاف الامتحان فذاكر، وإذا كنت تخاف الفقر فاعمل، وإذا كنت تخاف المرض فحافظ على صحتك. فالأسباب العملية تقلل مساحة الخوف.
خامسًا: لا تغذِّ عقلك بالسلبية
الاستماع المستمر إلى الأخبار المزعجة أو القصص المخيفة يجعل العقل يتوقع الشر دائمًا.
سادسًا: قوِّ علاقتك بالله
قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3].
وقال سبحانه:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
فالإيمان الصادق لا يمنع وجود الخوف الفطري، لكنه يمنح القلب طمأنينة عند مواجهة الأحداث.
دروس من الأنبياء :
حتى الأنبياء شعروا بالخوف في مواقف معينة؛ فهو شعور بشري، لكنه لم يمنعهم من أداء رسالتهم.
قال تعالى عن موسى عليه السلام:
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: 21].
وقال سبحانه له بعد ذلك:
﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: 68].
فالفرق بين الإنسان الناجح وغيره ليس في غياب الخوف، وإنما في القدرة على السير رغم وجوده.
رسالة إلى كل خائف :
لا تجعل المستقبل يسرق منك الحاضر، ولا تسمح للأوهام أن تعطل حياتك. فالخوف إذا بقي في حدوده الطبيعية كان حارسًا لك، وإذا تجاوز حدوده أصبح سجانًا لعقلك.
وتذكر دائمًا أن كثيرًا مما تخشاه اليوم، ستضحك عليه غدًا، لأنه لم يكن إلا فكرةً عابرة رسمها الخيال، بينما كان الواقع أرحم بكثير.
وخِتامًا...
الحياة لا تخلو من التحديات، لكن الله لم يخلق داءً إلا وجعل له دواء، ولم يبتلِ عبدًا إلا وجعل مع البلاء فرجًا. فامضِ في طريقك، خذ بالأسباب، وأحسن الظن بربك، وأيقن أن ما كتبه الله لك سيأتيك، وأن ما لم يكتبه لك فلن يصيبك، قال تعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
