الأشجارُ تُذبحُ والمدينةُ تنزفُ صمتاًبقلم: المهندس. ياسر أبو الغيط
ليست المآسى كلها تُكتب بالدماء. فهناك مآسٍ تُكتب بنشارة الخشب. وتُسمع فيها صرخات الأشجار ولا يسمعها أحد. وتبقى المدينة شاهدة على جريمةٍ يرتكبها الصمت قبل أن ترتكبها المناشير.
ما تشهده حديقة العروبة بشارع صلاح سالم يبعث على الأسى والدهشة. فالأشجار المعمرة التى وقفت شامخة لعقود طويلة. والتى يقال إن بعضها تجاوز المائة عام من العمر. أصبحت تتهاوى تباعاً أمام أعين المواطنين. وكأن الزمن الذى إحتاج قرناً كاملاً لصناعتها أصبح لا يساوى شيئاً أمام دقائق من القطع والإزالة.
أى منطق هذا الذى يجعل الأشجار العتيقة عبئاً بدلاً من أن تكون ثروة؟. وأى رؤية حضارية تقبل أن يُمزق هذا الغطاء الأخضر فى زمنٍ أصبح العالم كله يستغيث من الإحتباس الحرارى والتغيرات المناخية؟. بينما تتسابق الدول لزراعة الأشجار. نجد أنفسنا نتساءل بمرارة عن مصير أشجار كانت تمثل رئةً تتنفس بها القاهرة.
من صاحب القرار؟. ومن أصدر التعليمات؟. وعلى أى تقارير علمية إستند هذا الإجراء؟. وهل عُرضت الحقائق كاملة على المواطنين؟. أم أن الأشجار أصبحت بلا صوت. وبلا من يدافع عنها؟
إذا كانت هناك ضرورة فنية أو خطر حقيقى يهدد السلامة العامة. فمن حق الناس أن يعرفوا ذلك بوضوح وشفافية. أما إذا غابت المبررات المعلنة. فإن علامات الإستفهام ستظل أكبر من جذوع الأشجار التى تتساقط كل يوم.
إن الشجرة ليست قطعة ديكور يمكن إستبدالها متى شئنا. إنها تاريخ. وهوية. وبيئة. وظل. وهواء. وموطن لعشرات الكائنات الحية. وهى خط الدفاع الأول فى مواجهة التلوث وإرتفاع درجات الحرارة. وكل شجرة معمرة تُفقد دون ضرورة مؤكدة هى خسارة لا تعوضها عشرات الشتلات الصغيرة إلا بعد عشرات السنين.
أين الجهات المعنية بحماية البيئة؟. وأين المؤسسات التى تنادى بالحفاظ على الموارد الطبيعية؟. وأين المسؤولية التى تفرض حماية الحدائق العامة باعتبارها ملكاً لكل مواطن؟. إن الصمت فى مثل هذه القضايا لا يطمئن الناس. بل يزيد من مخاوفهم على ما تبقى من المساحات الخضراء.
حديقة العروبة ليست مجرد مساحة مزروعة بالأشجار. إنها جزء من ذاكرة القاهرة. وجزء من وجدان أجيال عاشت فى ظل هذه الأشجار. وإستنشقت هواءها. ورأت فيها صورة مدينة تعرف قيمة الحياة.
إننا لا نرفض التطوير. بل نطالب بأن يكون التطوير حارساً للطبيعة لا خصماً لها. وأن تكون القرارات البيئية مبنية على العلم والشفافية. لا أن تتحول الأشجار إلى الضحية الأولى لأى مشروع دون أن يعرف المجتمع حقيقة ما يجرى.
إنقاذ شجرة معمرة قد يكون أعظم أثراً من زراعة عشرات الشتلات الجديدة. لأن العمر لا يُشترى. والتاريخ لا يُزرع من جديد. وإذا إستمرت المناشير فى إبتلاع الأشجار. فلن نخسر ظلاً فقط. بل سنخسر جزءاً من روح المدينة التى لا يمكن تعويضها.
إن الواجب الوطنى والإنسانى يقتضى وقف أى أعمال إزالة لحين إعلان أسبابها للرأى العام. وإتاحة المعلومات بشفافية كاملة. ومراجعة كل قرار يمس الأشجار التاريخية التى تمثل ثروة بيئية وحضارية لا يملك أحد حق التفريط فيها. فحين يسقط آخر جذع. لن ينفع الندم. ولن تعود المدينة كما كانت.
