📁 آخر الأخبار

اتزانٌ يفضح الزيف في البيئات السامة

 


اتزانٌ يفضح الزيف في البيئات السامة 

بقلم: نور خالد أبو عمر

في المناخ الفاسد، يصبح الاتزان كالنور الذي يقتحم العتمة؛ لا يُستقبل بوصفه فضيلة، بل يُنظر إليه كتهديدٍ يفضح المستور.

يُتَّهَم المتزن بأنه «مثير للمشكلات»، لا لأنه يهوى الصراع، بل لأنه يرفض أن تتحول الإهانة إلى عادة، ويرفض أن يُباع الضمير في سوق السلام الزائف.

إن رفضه للتطبيع مع الخطأ هو ما يجعله يبدو غريبًا، فقد اعتاد الآخرون التعايش مع الخلل حتى صار جزءًا من حياتهم اليومية.

الاعتراض على السلوك المؤذي ليس عيبًا في الطبع، بل هو بقايا ضميرٍ حيّ يرفض أن يُخدَّر.

في بيئةٍ يسيطر عليها التواطؤ، يصبح الصوت المختلف مرآةً تكشف العيوب، فيُتَّهَم صاحبها بأنه مصدر الإزعاج.

لكن الحقيقة أن المشكلة ليست فيمن أشار إلى الخلل، بل فيمن ارتضى العيش معه حتى طُمِس أثره وغاب عن الأبصار.

الاتزان في بيئة سامة ليس حيادًا ولا انسحابًا، بل مقاومةٌ صامتة.

هو أن يقول المرء «لا» حين يصرخ الجميع «نعم»، وأن يرفض الانحناء حين يختار الآخرون الانكسار، وأن يحافظ على كرامته في مكانٍ يستهلكها بلا رحمة.

وقد يدفع ثمن اتزانه عزلةً موحشة، أو يتلقّى سهام الاتهام، لكنه في جوهره شهادة على أن الضمير لم يمت بعد، وأن الإنسان ما زال قادرًا على أن يرفض الخضوع.

الذين يرفضون التكيف مع الخطأ هم الذين يفتحون ثغرةً في جدار الصمت، ويمنحون الآخرين فرصة لرؤية الحقيقة.

قد يُنظر إليهم كأنهم غرباء، لكنهم في الواقع حُرّاس القيم؛ يذكّرون الجميع بأنّ الكرامة ليست رفاهية، وأنّ العدالة ليست خيارًا ثانويًا، وأنّ الصمت أمام الإهانة ليس سلامًا بل استسلام.

وفي نهاية المطاف، البيئات الملوثة لا تُطهِّرها أقنعة المجاملة ولا تُصلحها التنازلات، بل يفضحها صوت واحد يرفض أن يذوب في القطيع.

ذلك الصوت قد يُرمى بتهمة إثارة المشكلات، لكنه في الحقيقة بذرة إصلاح، وصرخة حياة في وجه التكلّس.

والمشكلة ليست فيمن كشف الخلل، بل فيمن ذاب فيه حتى غدا جزءًا من كيانه.
تعليقات