📁 آخر الأخبار

أماكن تسرق الروح وتتركها شظايا؛ لن أذهب

 


أماكن تسرق الروح وتتركها شظايا؛ لن أذهب

بقلم: نور خالد أبو عمر
ليس لأنني أكره المكان، بل لأنني أُدرك الثمن الباهظ الذي تدفعه نفسي من طاقتها وصفائها.
هناك أبوابٌ تُفتح أمامنا في الحياة كأنها دعوةٌ كريمة للاحتفاء، لكنها سرعان ما تُغلق خلفنا كأنها قيدٌ خفيّ يمنعنا من التنفس بعفوية.
أماكنُ غريبة، تُدخل الروح في دوامةٍ عاتية من الساعات العابرة، ثم تتركها وحيدةً مبعثرة، تجمع شتاتها لأيامٍ طوال تحاول فيها استعادة توازنها المفقود.
إن الحضور في فضاءٍ لا يشبهنا هو مغامرةٌ غير محسوبة العواقب، وما أثمنَ أن أُبقي نفسي في صفاءٍ تامٍ ونقاءٍ داخليٍّ يليق بكرامة الوجود الإنساني!
فوجودنا أثمن من أن يُهدر في مساحاتٍ باهتة لا تمنحنا سوى التعب والانطفاء.
طمأنينتي الداخلية هي تاجي الذي أرتديه بفخر، هي النجم المضيء الوحيد الذي يقودني ويهديني كلما تاهت خطواتي في عتمة المجاملات الاجتماعية الباردة.
فما جدوى أن أجلس في مجلسٍ صاخبٍ أتبادل فيه أطراف الحديث بين ضحكاتٍ مصطنعةٍ ونكاتٍ باهتةٍ، إن كان قلبي يئنّ في صمتٍ مرير؟
وما قيمة أن أُصافح الأيدي بابتسامةٍ متكلّفةٍ، إن كانت روحي تتكسّر وتتهشّم في الداخل مع كل دقيقةٍ تمر؟
أعلم يقيناً، ومن واقع التجربة، أن المجاملة حين تتجاوز حدّها المنطقي تتحوّل فوراً إلى استنزافٍ عاطفيٍّ بطيء، وإلى نزيفٍ داخليٍّ حادٍّ لا يُرى بالعين المجردة، لكنه يثقب الوعي ويترك أثره المؤلم في كل خليةٍ من خلايا الجسد.
أن أقول "لا" في وجه المظاهر الكاذبة والعلاقات المنهكة هو فعلُ شجاعةٍ حقيقيةٍ ونضجٍ بالغ، لا فعلُ انسحابٍ أو ضعفٍ أو انطواء.
هو إعلانٌ صريحٌ ومسؤولٌ أمام العالم أنني أفي بحقّ ذاتي وأحترم طاقة قلبي قبل أن أُجاريَ عاداتٍ وتقاليدَ اجتماعيةً باليةً تُثقلني وتستهلك قواي بلا طائل.
أن أعتذر برقيٍّ عن حضورِ مجلسٍ يسرقني من طمأنينتي هو أن أُعلن ولائي التام لسلامي الداخلي، ولأولئك الذين ينتظرون عودتي بحبٍّ حقيقيٍّ في بيتي؛ لطفولةِ ابني الصغير التي تحتاج أباً بقلبٍ صافٍ ومقبلٍ على الحياة، ولمراهقةِ ابنتي التي تمرّ بمرحلةٍ دقيقةٍ وتحتاج صدراً رحباً يستمع إليها ويستوعب مخاوفها.
فكيف أُعطيهما ما يستحقان من رعايةٍ وعاطفةٍ إن كنتُ أعود من تلك المجالس منهكاً ومفرغاً، أبحث عن نفسي وسط ركام الضياع وشظايا التعب والإرهاق؟
الحياة في جوهرها ليست سباقاً ماراثونياً لإرضاء الجميع، فإرضاء الناس غايةٌ لا تُدرك وتكلفتها خسارة الهوية، بل هي رحلةٌ واعيةٌ لإيجاد التوازن الدقيق بين العطاء للآخرين والحفاظ على حياض الذات من الانتهاك.
أن أُمسك بزمام نفسي بقوةٍ وأقول بثقةٍ "لن أذهب"، هو أن أُعلن للجميع أنني اخترتُ النجاة بنفسي، اخترتُ بكامل إرادتي أن أكون نهراً صافياً متجدداً لا يُكدّره طينُ المجاملات الزائفة ونفاقُ الوجوه الملونة.
فسلامي النفسي أبقى وأغلى من أي دعوةٍ براقة، وأسمى من أي مجلسٍ لا يمنح الروح سوى الفراغ والعدم.
تعليقات