وأخيراً عادَ نبضُ القلبِ إليكَ
بقلم :المهندس .ياسر أبو الغيط
كنت أؤمن أن الزمن يطوى كل شىء. وأن الأعوام قادرةٌ على دفن أكثر الحكايات إشتعالًا. حتى مررتُ بك. فعرفتُ أن القلب يملك تقويماً آخر لا تعترف به الأيام. وأن بعض الأرواح لا تغيب مهما إبتعدت. لأنها لا تسكن الذاكرة وحدها. بل تمتد جذورها فى أعماق الوجدان حتى تصبح جزءاً من هوية الإنسان.
لم يكن لقاؤك مجرد مصادفةٍ جميلة. بل كان ميلاداً جديداً لروحٍ أنهكها الإنتظار. شعرتُ أن العالم الذى عشته قبل عينيك لم يكن إلا طريقاً طويلاً يقودنى إليك. وأن كل وجعٍ مر بى كان يهيئ قلبى ليتسع لهذا القدر من الحب. فالإنسان لا يدرك قيمة الضوء إلا بعد سنواتٍ قضاها يصادق العتمة.
ثم جاءت الرياح بما لا تشتهى الأرواح. وإفترقت الطرق. لا لأن الحب إنتهى. بل لأن الحياة كثيراً ما تفرض على القلوب إمتحاناتٍ لا ذنب لها فيها. ورغم الغياب. لم أبحث عن بديلٍ لك. لأن الأرواح لا تستبدل أوطانها. ولأن القلب إذا عرف موطنه الأول. ظل يعود إليه ولو عبر ألف ذكرى وألف حلم.
مرت الأيام. وتغيرت الوجوه. وتبدلت المدن. وكبرت الحكايات الصغيرة. لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً لا تمسه السنون. ذلك المقعد الذى تركتك جالساً عليه داخل قلبى. لم يقترب منه أحد. ولم أفكر يوماً أن أمنحه لغيرك. لأن الأماكن التى يصنعها الحب الصادق لا تتكرر. ولا تُبنى مرتين.
كنت أظن أن النسيان قراراً. ثم إكتشفتُ أنه نعمةٌ لا يملكها كل البشر. فهناك حب إذا دخل القلب. أعاد ترتيب نبضه إلى الأبد. وصارت كل المشاعر بعده تُقاس عليه. فإن جاءت أقل منه. رفضها القلب فى صمت. لا تكبراً. ولكن لأن الأرواح التى ذاقت الصدق لا تستطيع أن تتصالح مع أنصاف المشاعر.
ولعل أكثر ما يؤلم فى الحب ليس الفراق نفسه. وإنما تلك الأشياء الصغيرة التى تبقى بعده. مكانٌ إعتدت الوقوف فيه مع من تحب. أغنيةٌ تمر مصادفةً فتوقظ مدينةً كاملةً من الذكريات. عطرٌ يعبر الطريق فيربك القلب. أو كلمةٌ ينطقها غريب فتفتح باباً أغلقته منذ أعوام. عندها يدرك الإنسان أن الذكريات لا تعيش فى العقل فقط. بل تختبئ فى أدق تفاصيل الحياة.
ومع ذلك. لم أكره الأيام لأنها أبعدتك. فقد علمتنى أن الحب الحقيقى لا يُقاس بطول اللقاء. وإنما بعمق الأثر الذى يتركه فى الروح. فقد يمنحنا إنسانٌ واحدٌ من الدفء ما لا تمنحه الدنيا كلها. ثم يرحل. لكنه يترك داخلنا قلباً أكثر رحمة. ونفساً أكثر صفاءً. وعينين تعرفان قيمة الصدق وسط ضجيج هذا العالم.
ولو خيرونى بين عمرٍ هادئٍ لم يعرفك. وبين لحظةٍ واحدةٍ كنت فيها بقربك ثم أعقبها هذا الشوق كله. لاخترتُ تلك اللحظة ألف مرة. لأن العمر الذى يخلو من الحب مجرد أيامٍ تتشابه. أما العمر الذى مر به قلبٌ صادق. فإنه يظل مضيئاً مهما تكاثفت حوله العتمة.
فإذا جمعتنا الأقدار مرةً أخرى. فلن أعاتبك على الغياب. ولن أسأل أين أخذتك السنوات. سأكتفى بالنظر إليك كما ينظر العائد إلى وطنٍ ظن أنه فقده إلى الأبد. فبعض اللقاءات لا تحتاج إلى كلمات. لأنها تُكتب بدموع الفرح التى تعجز اللغة عن ترجمتها. ولأن الأرواح التى أحبت بصدق تعرف بعضها مهما طال السفر. ومهما دارت الحياة بأصحابها. يبقى القلب أميناً لأول نبضة جعلته يشعر أن للحياة معنى. وأن للحب قدرةً على هزيمة الزمن.
