مِعْرَاجُ الرُّوحِ وَكَشْفُ حَقِيقَةِ الوُجودِ
بقلم: نور خالد أبو عمر
النُّورُ ليسَ شُعاعًا عابِرًا، بل هو أصْلُ الوُجودِ، ومِفتاحُ الأسرارِ، ومِرآةُ الحقيقةِ التي لا تُرى إلّا حين تُغلَقُ العَينُ عن المَظاهرِ وتُفتَحُ البَصيرةُ على الجَوهَر.
كلُّ ما نَراهُ من مَلامِحَ وأشكالٍ وصُوَرٍ ليسَ إلّا إشاراتٍ عابِرةً، ونوافِذَ مُعلَّقةً على أُفُقٍ أبديٍّ، تُطِلُّ منها الرُّوحُ لتَطيرَ نحو الأصْل؛ نحو الواحدِ الذي لا يُحدُّ ولا يُحاط.
وما أضلَّ الإنسانَ حينَ وقفَ عندَ المَظهرِ، يُقبِّلُه كما يُقبِّلُ الوَثنيُّ نُحاسَ الأضرِحةِ، ويَسكُبُ دُموعَ العَدمِ ليَشرَبَها العَدمُ، فيَبقى أسيرًا للهَواء؛ يَزرَعُ الهَواءَ ويَحصُدُ الهَواءَ، ويَستدفِئُ بالظُّلمةِ ويَتبرَّدُ بالنّار.
والحُبُّ إذن لا يكونُ إلّا لك، يا مَن لا يُحَبُّ سِواكَ بحقٍّ، وكَذَبَ مَن قالَ بغيرِك، وكذَّبَتْهُ رُوحُه يومَ القيامةِ حينَ يَكتشِفُ أنّه لم يَملِك شيئًا، ولم يَزرَع إلّا سَرابًا، ولم يَحصُد إلّا فَراغًا.
فما الإنسانُ إلّا أمانةٌ مودَعةٌ، وما القَلَمُ إلّا هِبةٌ، وما العِلمُ إلّا عَطيّةٌ، وما الاسمُ والرَّسمُ إلّا ظِلًّا من ظِلالِك.
إليكَ تُرَدُّ الوَدائعُ، وإليكَ تُسلَّمُ الأسرارُ، وإليكَ يُرفَعُ الاختيارُ، وإليكَ تُقدَّمُ الحقيقةُ العاريةُ: أنا.وحَسبي أنتَ، يا مَن لا يُحاطُ بك، ولا يُدرَكُ سِرُّك، ولا يُحدُّ نُورُك.
زَكِّني بإلهامِك، وطهِّرني برِضاك، لأكونَ يومَ اللِّقاءِ من أهلِ قُربِك، من خاصَّتِك وأوليائِك، ومن كُتّابِك في الآخرةِ كما جَعَلتَني كاتِبَك في الدُّنيا.
لأكونَ حامِلَ أختامِك، وكاتِمَ أسرارِك، وخادِمَك الذي يَتقرَّبُ إليكَ بتَضحيةِ نفسِه، ويَذوبُ فيكَ كما تَذوبُ القَطرةُ في البَحر؛ فلا يَبقى لها اسمٌ ولا رَسم، بل يَبقى البَحرُ وحدَه، يَبقى النُّورُ وحدَه، يَبقى الحَقُّ وحدَه.
إنَّ الوُجودَ كلَّه لا يُساوي شيئًا أمامَ لحظةِ إشراقٍ منك، ولا يَزِنُ شيئًا أمامَ نَسمةِ رِضا منك.
فما الإنسانُ إلّا ظِلٌّ، وما الكَونُ إلّا حِبرٌ على وَرَق، وما الزَّمنُ إلّا خَطٌّ في دَفتَر؛ فإذا نَفَختَ فيه من رُوحِك صارَ حيًّا، وإذا سَحَبتَ عنه نُورَك عادَ عَدمًا.
فاجعَلني يا ربَّ من الذينَ يَكتُبونَ بِنورِك، ويَشهَدونَ بذِكرِك، ويَعيشونَ بك، ويَموُتونَ لك، ويُبعَثونَ فيك، فلا يكونُ لهم إلّا أنتَ، ولا يكونونَ إلّا لك.
وها أنا أكتُبُ، لا بقَلَمي وحدَه، بل بروحي التي تَستمدُّ من نُورِك، وبفِكري الذي يَتغذّى من إشراقِك، وبوِجداني الذي يَذوبُ فيكَ كما يَذوبُ المِلحُ في البَحر.
كلُّ كلمةٍ أضعُها على الوَرَق هي أمانةٌ مَردودةٌ إليكَ، وكلُّ معنًى أستخرِجُه من أعماقي هو عَطيّةٌ منك، وكلُّ صورةٍ رمزيّةٍ أستحضِرُها هي ظِلٌّ من ظِلالِك.
إنَّني لا أملِكُ شيئًا، ولا أقدِرُ على شيءٍ، إلّا ما أردتَ وأودَعتَ واستودَعتَ.
فاجعَلني يا ربَّ من الذينَ يَكتُبونَ بالحَقِّ، ويَشهَدونَ بالصِّدق، ويَعيشونَ في نُورِك، ويَذوبونَ فيكَ، فلا يكونُ لهم إلّا أنتَ، ولا يكونونَ إلّا لك.
إنَّني أستودِعُكَ قَلَمي، وأستودِعُكَ عِلمي، وأستودِعُكَ اسمي ورَسمي، وأستودِعُكَ نفسي وروحي، لتكونَ كلُّها لك، ومِنك، وفيك.
